light

light

الأحد، 22 فبراير، 2015

ياســــــــين .. والهـــامش العظيم




بقلم : انتصار رضي / فبراير 2015
في عام 2004 كانت بداية معرفتي بالبرمجة اللغوية العصبية أو ما يعرف بالـ NLP ، في تلك الآونة كنت أحضّر الماجستير في الإرشاد النفسي ، ولم يكن من السهل على أكاديميي علم النفس أن يحترموا البرمجة كعلم له منهجيته العلمية . ففي الوقت الذي عبّر بعض أساتذتي بقولهم : "البرمجة ليست إلا مجموعة طرق وأساليب غير مثبتة علميًا تعتمد على مبادئ نفسية " ، اصطلح عليها البعض الآخر : " خزعبلات ولاشيء يذكر" !
بالنسبة لي فإن تلك الرغبة الداخلية القويّة ، التي تصل بك إلى  حدَّ الشَّغف ، في معرفة حقائق الأمور، وفهم الجديد ، والبحث عن التفسيرات التي تدفع بالعشرات في تلك الآونة لارتياد دورات الـ NLP ، والرغبة الملحة في معرفة العداء بينه وبين علم النفس ، قد دفعتني للتسجيل في دورة دبلوم البرمجة اللغوية العصبية.
(النمذجة) أو (محاكاة الناجحين) أو (نقل خبرة النجاح من شخص إلى آخر) القاعدة الأساسية التي انطلقت منها البرمجة اللغوية العصبية . إذ يهتم الـ NLP  بدراسة الامتياز البشري و ذلك عن طريق معرفة ما يقوم به الأشخاص المتميزون واستخلاص ما يقومون به و تعليمه للآخرين. تبدأ البرمجة بدراسة واستنباط استراتيجيات النموذج ، معتقداته ، قيمه ، الأنظمة التمثيلية والتي ينتج عنها  اكتشاف سلوك الشخص الخبير في مجال معين و السير على منهاجه للوصول لنفس الأهداف . تنطلق البرمجة بفكرة أن كل الناس متساوون في القدرات العقلية والجسمية ،الفروقات الوحيدة هي قضايا التحفيز بشكل أساسي والقيم و المعتقدات و المواقف التي تدفع الشخص ليكون متميزاً .
إن أول خطوات عملية النمذجة هي تحديد واختيار النموذج الذي ستتم محاكاته أو نقل خبراته في النجاح ، كان مدربنا يقول : " لسوء الحظ ستجدون صعوبة بالغة في العثور على هذا النموذج الناجح ، فالغالبية العظمى من الناس يعيشون حياة عادي بن عادي ، فهل يود أحدكم أن يكون مثل عادي بن عادي ! " .
هل تعرفون من هو عادي بن عادي ؟ حسنا كانت المرة الأولى التي أسمع فيها قصّة عادي بن عادي ،  ولد عادي بن عادي من أم وأب عاديين في قرية عادية ، وتربى عادي تربية عادية جدا في طفولته , ومرّ من خلال رحلته التعليمية  بمراحل عادية ، تخرج منها بتقدير عادي ، وترتيب عادي ومعدل عادي. دخل عادي بن عادي جامعة عادية ، وتخصص تخصصا عادياً ، وتخرج منها بتقدير عادي ومعدل عادي وترتيب عادي.  توظف السيد عادي في وظيفة عادية ، وتزوج فتاة عادية ، وأنجب أطفال عاديين .وبعد زمن ختم عادي بن عادي حياته وتوفى بعد رحلة حياتية عادية في يوم عادي ودفن في مقبرة عادية .انتهت حياة عادي بن عادي  لا فرق فيها ولا فريد , لا جد ولا جديد .
كانت ( النمذجة ) كالقشة للكثير من الغرقى في الوطن العربي ممن يواجهون التحديات المدروسة والمبرمجة والمؤدلجة على كافة الأصعدة ، جاءت البرمجة لتحطم إطار سيكولوجية وبنية المجتمع العربي التي صُبغت لأعوام طوال بالتهميش والجهل والكسل ، وترشده لحقيقة امتلاكه لمخزون كبير من الطاقات الكامنة تحتاج إلى نموذج تحاكيه لتصنع المستحيلات ، فلا مستحيل تحت الشمس في الـNLP وإن كانت المهمة بحجم مجرّة كتغيير العالم  !! ولا فشل في الـ NLP  بل تراكم خبرات تدفعك بالتحفيز لتكرار المحاولة.
كانت الألفية بداية السباق المحموم لمُبَرمِجين في تمهّن التدريب على البرمجة ، والمُبَرمَجين في ألا يكونوا عادي بن عادي . في صراع تدّخلت فيه رجالات الدين في البحث عن البعد الابستمولوجي للـ NLP  ، و علماء النفس وغربلة الأيديولوجية التي تقف خلف البرمجة وسواهم ممن بحث ونقّب وكتب في هذا المجال . كانت قصة عادي بالنسبة لي مثل الشبح الذي يلاحقني في مفاصل مسيرة حياتي ، لا أنكر أنها اخترقت عقلي اللاواعي وبدأت تتحكم في الكثير من قراراتي المصيرية !! كان ذلك القبر العادي الذي سيكون نتيجة لحياتي العادية أشبه بالكابوس الذي أخشى أن يحاصرني يوما ما . لست وحدي من تنازعني هذا الكابوس بل كل أولئك المُبَرمَجين معي وقبلي وبعدي الذين انتشروا في الحياة يبحثون عن النموذج الذي يصنعهم رقما صعبا في الحياة ، و يجعلهم يقولون كما حفر موسى المعماري صاحب قلعة موسى الشهيرة في لبنان على جدران مدخل قلعته : كانت الحياة أفضل لأني عشت فيها !
لم يعد هناك معنى يذكر لدى المُبَرمَجين لأولئك الأشخاص الذين يسيرون على خطى عادي بن عادي ، كـ " ياسين " مثلا . أخي ياسين الذي يكبرني بـ 7 أعوام ، والوحيد الذي لم يحالفه الحظ بين أفراد أسرتي المكونة من 13 فرد أن يدرس في الجامعة . فاختار دراسة عادية في المعهد ، وتخرج بشهادة عادية ، وعمل في شركة بناء بمهنة تكاد أن تكون أقل من عادية . كان يذهب في صبيحة يوم باكر إلى الشركة مع مجموعة من العمال الآسيويين إلى " الكسّارة " ، في مساحة من البر تحت شمس سماء صيف صائف لا يحجبها غيمٌ أو غبار ، يعمل على تكسير الحجارة المعدة للبناء حتى غروب الشمس .
كان ياسين طموحا ، محبّا للقراءة والكتابة ، في كل أسبوع يرسل عبر البريد العادي مقالا لصفحة بريد القرّاء في احدى الصحف اليومية ، لكن أحدا لم يكن ليعلّق أو يبدي ملاحظاته القيّمة على مقالاته التي كان يقرأها أناس عاديون مثله . ثم يجمع تلك المقالات في ملّف متخم بها وبالشهادات التي اجتازها ويغلّفه بسيرته الذاتية للبحث عن وظيفة أفضل حتى انتهى به الأمر للعمل كمراسل في احدى الشركات .
كنت أمرّ بسيارتي على شارع قريتي الرئيسي صباحا وأنا متجهة للعمل فأجده يحثّ الخطى بابتسامة لا تفارقه ورضا لا يشوبه يأس وهو منطلق لعمله سيرا على الأقدام قبل أن يشتري سيارته العادية جدا والمهترئة.
كان ياسين شاعرا ، يكتب الشعر العمودي ، لكن قصائده العادية لم تخرج عن نطاق المناسبات الدينية ، إذ كان يتغنى بها بعض المنشدين على مستوى القرية . كان يطمح أن يطبع ديوانه الأول ويجمع فيه بعض قصائده ، وكثيرا ما قال لي : "ربما لن أضع اسمي على غلافه .. المهم أن أطبعه ".
لدى ياسين صديق واحد فقط ، انسان عادي جدا ، يأتي ليزوره بين الفينة والأخرى ويسمع منه بعض قصائده ويشاركه بعض همومه .لم تكن الابتسامة تغادر شفاه ياسين ، كان بارا تقيا ورعا مطيعا ، لا يعرفه الناس سوى بذلك الشاب الذي يمشي على هامش الشارع في منتصف الليل أحيانا ليشتري علبة لبن لأمّه المسنّه المريضة .
كان صامتا أغلب وقته ، يستيقط كل يوم في الفجر يصلي النوافل ويدرس القرآن ، ويرتدي زي العمل ويسجّل في ذاكرته طلبات أمي من البقالة . كنت كثيرا ما أصرّ على أمي ألا تعذبه بكثرة الطلبات فيجيب وهو يبتسم : " عادي " . يعود من العمل لأخذ قيلولة وتناول الغداء ثم يعود للعمل من جديد . ويقضي المساء في قطع طريق البقّالة اليومي رواحا ومجيئا بحسب نشاط ذاكرة أمي التي تسقط منها بعض الطلبات في كل مرّة ، ولأنه ما قال " لا " قطّ ، كان هذا يحفز الجميع على التماس الكثير من خدمات ياسين التي يؤديها بكل سرور ويتبع ذلك ببعض الأحاديث عن فضل قضاء حوائج الناس عند الله !
كان كل شيء عادي في حياته ، هاتفه النوكيا وسط ثورة الهواتف الذكية ، خيّاطه العادي وسط الماركات العالمية ، حذاءه الذي يلمّعه في صبيحة كل يوم وسط الجلديات الفاخرة ، نظارته بإطارها القديم جدا وسط أحدث آخر الصيحات وأخيرا برنامجه اليومي الذي يخلو من كوب كابتشينو في مقهى كوستا ، أو رحلة سياحية خاطفة ، أو تجوّل في أحد المجمعات التجارية .
لم يكن لياسين صوتا حين يحتدم النقاش بين أخوتي في قضايا الحداثة ، وما بعد الحداثة ، وغيرها. ولم يكن يتحدث عن أركون أو يتقاسم معهم بعض الحسابات السياسية . كان شخصا عاديا يعرف جيّدا مواعيد الدواء لأمي المريضة بالشلل الرعاش ، وماركة العصير الذي تحبّ أن تشربه في الليل ، وعدد ملاعق السكر في كوب حليبها في الصباح ، ونوع الكريمات التي تستخدمها لآلام العضلات التي تجمّدت بعد اصابتها بكسر في فقرات العمود الفقري قبيل وفاتها .
 تزوج ياسين في مراسم زفاف بسيطة جدا تكاد لا تذكر أمام حمى الاستهلاك الفاخر في التجهيز لحفلات الزواج . أضاف ذلك الرباط لياسين برنامجا جديدا في حياته وهو أن تكون له عائلة . البرنامج الذي لم يدم طويلا ، إذ سرعان ما توفي بعد شهر واحد من زواجه بعد أن اكتشف اصابته بسرطان الدم الذي لم يمهله أن يفتح أغلفة هدايا زواجه .
توفي ياسين بعد صراع قصير جدا مع المرض ، كان طبيبه يقول في اليوم الأول لوصول نتائجه: "لا تقلقوا اللوكيميا حاليا كالانفلونزا لا خوف منها " . لكن ياسين اختار للمرة الأولى ألا يكون عاديا كبقية مرضى اللوكيميا الذين يكتفون بوضع كمامات على أفواههم ويقطعون دروب الحياة يتعلمون ويعملون ويتزوجون وينجبون ، اختار ألا يكون عاديا في رحيله السريع بعد مقاومته الشديدة لأضرار الكيماوي الذي عطّل كل أجهزته الداخلية لكنّه لم يعطّل ابتسامته حتى اللحظة الأخيرة . اختار ألا يكون عاديا بعد موته في تشييع مهيب حظى به ، حضره الكثير من الأشخاص غير العاديين وبكوه بألم . اختار ألا يكون عاديا في عزاء شارك فيه الكثير ممن لم يعرف ياسين في حياته !!

تذكرتُ أخي وهم يهيلون عليك التراب قصّة عادي بن عادي .. وأدركت أنّ الحياة كانت أفضل لأنّك عشت فيها .

الاثنين، 16 فبراير، 2015

مستشار الأسرة .. مفهوم قرآني مغيّب





بقلم انتصار رضي / 2015
تصاعدت أرقام حالات الطلاق وحالات التفكك الأسري في الخليج ، حتى وصلت لنسب مخيفة تحتاج لتجنيد كل الطاقات لدراسة هذه الظاهرة ، من حيث أسبابها ، وطرق علاجها . وتطلّ علينا الصحف بين فينة وأخرى بإحصائيات تقوم بها أجهزة رسمية أو مؤسسات مدنية تبين الأرقام المتنامية لهذه الكارثة !
فعلى سبيل المثال لا الحصر أظهرت تقارير إحصائية سعودية لعام 2014 أن نسبة حالات الطلاق بلغت نحو 3 أضعاف حالات الزواج، وجاء في إحصاء نشرته وزارة العدل السعودية على موقعها الإلكتروني أن أعداد حالات الطلاق زادت بأكثر من 8371 حالة طلاق عن العام 2013.
أما في البحرين دلّت آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف، الخاصة بالمعاملات الشرعية، على أن معدل الطلاق في البحرين بلغ 27 في المئة بواقع 873 حالة طلاق من أصل 3218 حالة زواج في النصف الأول من 2013
في حين كشف رئيس قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي، الدكتور عبدالعزيز الحمادي، أن هناك ارتفاعاً في حالات الطلاق في العام 2014 بنسبة تصل إلى 20%، إذ إن أربع حالات طلاق يتم تصديقها يومياً في محاكم دبي !!
أما الكويت التي احتلت المركز الأول خليجيا والثاني عالميا في معدلات الطلاق على مدى السنوات العشر الماضية فقد باتت معدلات الطلاق فيها تفوق الزواج بـ 50 في المئة !
بلاشك نحن بحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ بكافة أشكالها لمحاصرة هذه الأرقام والعمل الحثيث لخفضها إن كنا نسعى لتنمية وتطوير المواطن وجعله منتجا اجتماعيا واقتصاديا وسياسياً. فعجلة النمو الاقتصادي لا يمكن أن تدور ما لم تبدأ بأرضية صلبة جذورها التماسك الاجتماعي في الأسرة التي تشكل نواة المجتمع.  وهذا ما دفع بالمهاتير محمد حين أراد لبلاده أن تصارع وسط النمور الآسيوية أن يبدأ بمحاربة نسب الطلاق المتصاعدة في ماليزيا التي تصدرت دول العالم عام 1992 بـ 32 % ونجح بمشروع إرشادي أسري ريادي خلال عشرة أعوام في خفضها إلى 7%  لتكون الأقل على مستوى العالم .
مازالت مراكز الإرشاد الأسري التي تعمل للتصدي لحالات الطلاق ورفع نسب التكيف والتوافق الأسري ، لا تحظى بإعتراف مجتمعي كافٍ ، وهذا ما دفعني للتفكير في جدوى إعادة موقع كان له وجوده ودوره في السابق ضمن التركيبات السكانية القبلية والعشائرية ، وهو في الأصل مفهوم قرآني قبل أن يكون عادات قبلية وعشائرية . تلك الفكرة بمصطلحات العلم الحديث تسمى المستشار الأسري . حيث وجد في السابق رجل أعتبر مرجعا حكيما في كل أسرة أو عشيرة يحتكم عنده بقية أفراد الأسرة والعشيرة ويتميز هذا الفرد عن بقية أفراد الأسرة والعشيرة بصفات الحكمة و وزن الأمور والرؤية الواسعة لكل المشكلات التي تعترض أفراد عشيرته فضلا عن الاحترام الذي يوليه أفراد العشيرة لهذا الرجل فهو زعيمهم وقائدهم وكلمته مسموعة لدى الجميع ويبذل هذا الرجل كل ما بوسعه لتطويق أي مشكلة أو خلاف يحدث بين أفراد عشيرته أو بينهم وبين أفراد العشائر الأخرى .
بغض النظر عن سلبيات العادات القبلية ، فإنه يتضح لنا أهمية هذه الفكرة وبلورتها بما يتفق مع معطيات العصر ، سيما أننا نجد هذا المفهوم ضمن آيات القرآن الكريم إذ يقول تعالى: ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ). إنّها محكمة تؤسسها العائلة من أجل التوفيق والإصلاح وتعتبر من مبتكرات الإسلام العظيمة وتتميز هذه المحكمة بميزات تفتقر اليها المحاكم الجنائية .
إن العمل في هذه المحكمة  الأسرية يكون على أساس المودة لا القوانين ، لذا يأمرنا القرآن ان يكون الحكمان من أهل الزوجين وممن يرتبطان بهما برابطة النسب والقرابة ليتمكنا من الدفع بالمشاعر والأحاسيس  أن تكون الحاكم باتجاه الإصلاح بين الزوجين . كما أن كون المستشار من داخل الأسرة يتيح فرص للبوح بالمشكلات بكل حرية ودون الحرج الذي يمنع الكثيرين من اللجوء إلى المراكز الأسرية المنتشرة هنا وهناك أو يمنع كثر من الأزواج بالبوح بالتفاصيل أمام المحاكم الجنائية .
وبلا شك فأن الحاكم في المحاكم الجنائية يؤدي مهامه ولا يضرّه ما انتهت إليه القضية في حين المستشار الأسري سيبذل جهده للحفاظ على مستقبل العائلة وتماسكها بحكم القرابة .
ناهيك عمّا تضمنته أحاديث الرسول وأهل البيت في أهمية المشاورة ، إذ يقول الرسول الأكرم ص ( مشاورة العاقل الناصح رشد ويمن وتوفيق من الله فإذا أشار عليك الناصح العاقل فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب) ، وحديث آخر يقول ص : (هلك من ليس له حكيم يرشده ) .
ولكي تحقق هذه الفكرة أهدافها وتؤتي ثمارها لابد من مراعاة كون المستشار الأسري يتصف بعقل راجح لكي ينتفع به الآخرون وبمشورته ، وأن يكون صديقا ، مؤاخيا ، كاتما للسر، مجتهدا في النصيحة ، فضلا عن امتلاكه مهارات حل الخلافات والتعامل معها بصورة مهنية ، وتوفير الدعم اللازم له من قبل بقية أفراد الأسرة. 

وجود المستشار الأسري من داخل الأسرة يوجد رادعا قويا عن ارتكاب الأخطاء من قبل كل أفراد الأسرة الممتدة . ويتيح فرص زيادة الوعي والخبرة في محاصرة المشكلات ، وتقوية الثقافة الاجتماعية الصحيحة لدى الجميع ، وتنمية الروابط الأسرية . وهذا ينعكس على بقية أفراد المجتمع ككل مما يقلل من نسب الأرقام المخيفة. ومما يثلج الصدر أني التقيت مؤخرا في ملتقى الاختصاصيين الاجتماعيين الثامن بالبحرين بأحد المرشدين الأسريين في مركز الاستشارات الأسرية بمحافظة الأحساء بالمملكة العربية السعودية ، حينها  أطلعني على برنامج إعداد الموجّه الزواجي في مركزهم والذي يتبنى الفكرة ذاتها إذ يتم اختيار الكفاءات من أسر مختلفة ممن يتوافر فيهم الاستعداد للإرشاد الأسري ويقومون بإعدادهم ببرنامج تدريبي مكثف لإكسابهم مهارات تصنيف المشكلات الزواجية ، وتحديد المشكلات، وفنيات المقابلة ، ومهارات التواصل والاقناع،  وطرق تقديم الحلول ، وشرح وافي لكل النظريات اللازمة في العملية الإرشادية في المجال الأسري. بهدف رفع كفاءتهم في كيفية تطوير وتدعيم العلاقة الزواجية بين الزوجين ، و وضع برامج الوقاية لتقليل حدوث المشكلات الزواجية  ،والعمل على تعميق العلاقات الأسرية وحمايتها من التفكك . أظنها تجربة ريادية تستحق الالتفات لها ودراسة جدواها في سبيل إيقاف سيل الطلاق الذي بلغ الزبى ! 

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

أعد النظر .. اغرس قيم ..


بقلم انتصار رضي / فبراير 2015

دشنت الإدارة العامة للمرور الحملة الوطنية لقانون المرور الجديد والذي دخل حيز التنفيذ في 7 فبراير في ظل تزايد حوادث المرور الناتجة من الإهمال والخطأ البشري . بغض النظر عما يشاع من أن الهدف من هذا القانون الغرامات الباهظة لجباية الأموال من الشعب ورفع نسب الإيرادات العامة أو بغرض ردع المخالفين الذين أودوا بحياة 1169 شخصاً منذ عام 1999 حتى عام 2013، أي خلال 15 عاماً حسب إحصائيات وزارة الداخلية .
ما أود الإشارة إليه أن الحملة التي دشنت بغرض نشر الثقافة المرورية وخلق الوعي المروري لدى كافة فئات المجتمع لتحقيق أعلى معدل للسلامة المرورية ، لن تكون عصى موسى القادرة على تغيير أرقام الضحايا ما لم يتجاوز أثرها التغييرات السطحية المؤقتة ، ويساهم في غربلة كاملة للقيم ، التي بدورها توجه السلوك .
 ولا خلاف في أن التعليم والإرشاد السلوكي الذي ينطلق من الثواب والعقاب يركز على إزالة الأعراض الظاهرية بدلا من الحل الجذري للسلوك فيكون الحل حلا وقتيا ، وللأسف هذه المفاهيم التي ظهرت وبدأت في الانتشار منذ خمسينيات القرن العشرين أصبحت ركاما قديما لكننا مازلنا نجتر آثارها ونعيش تحت رحمتها في كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية !  
ما نحتاجه في مجتمعنا لـ " إعادة النظر " هو التغيير على مستوى الإطار المرجعي للسلوك أعني بذلك التغيير على مستوى القيم التي تقود الأفعال والسلوك وأساليب الحياة لدى الأفراد وبما أن العلماء يقولون إن  90% من البرمجة الذاتية تتكون عند الأطفال من سن الميلاد وحتى سن السابعة ، فيما تتشكل 10% من البرمجة الذاتية من 7-18 عاماً ، فإن هذه الحملة بغرض الوعي المروري يجب أن تستهدف الأطفال من مرحلة رياض الأطفال قبل الكبار إذا ما كانت الداخلية معنية برؤية استراتيجية بعيدة المدى لهذه الحملة .
قيم الفرد تعكس حجم توافقه مع  المجتمع ولهذا في التربية كعملية هدفها تعديل سلوك الإنسان فإن أول ما يلتفت له المربون هو موضوع القيم ولا تتوقف أهمية القيم على دورها فى مجال التربية لتعديل السلوك ولكن ترجع أهميتها أيضاً إلى أنها " مقياس الصواب والخطأ " ولذلك كان من الضرورى جدا أن تعنى هذه الحملة  بغرس القيم حتى يمكنها السيطرة على سلوك المتهورين وتعديله وهذا ما التفت إليه التجربة اليابانية في التعليم إذ بدأت باعتماد الثقافة المرورية كمادة أساسية في المرحلة الابتدائية وعملت على غرس قيم هذه الثقافة من الطفولة حتى سجلت عدد قتلى حوادث السير في اليابان عام 2013 تراجعا مهولا للسنة الـ13 على التوالي قدرت نسبته بـ0.9%.
والحق يقال لسنا بحاجة في مدارسنا إلى غرس القيم المتعلقة بالثقافة المرورية وحسب بل إننا بحاجة حقيقية إلى إدراج غرس القيم بشكل عام كمنهج أساسي في التعليم الإبتدائي ورياض الأطفال يستند إلى أسس علمية وتدريب مهاري عملي يشكل الإطار المرجعي للسلوك .
لقد تبين لي خطورة تأثير القيم على سلوكنا وتوجيهه أثناء فترة عملي في أحد مراكز الإرشاد الأسري فوجئت أن أكثر المشكلات الأسرية تقع بسبب فوضى الأولويات في الحياة ويخطئ الكثير من المرشدين حين يبدأون العمل في إعادة ترتيب تلك الأولويات دون النظر إلى سلّم القيم وهرميتها لدى الفرد والتي على إثرها يقوم الفرد بترتيب أولوياته في الحياة بطريقة لا واعية ، فيضحي بالأسرة لأجل العمل أو بالأسرة لأجل الأصدقاء أو بالعمل لأجل الترفيه !!
 لقد سبق وتساءلت في إحدى ورش العمل التي قمت بتقديمها لجمع من أولياء الأمور كيف قمتم بتعليم أبنائكم قيمة الصدق على سبيل المثال ؟! ومن جديد كانت الإجابات كلها تنبثق من هيمنة أسس المدرسة السلوكية التي صاغت قوانينها من تجارب على الحيوانات و لم تنظر إلى الإنسان ككائن حي مكرم له خصائصه التي ينفرد بها عن الكائنات ، في مشاعره وتفكيره وحاجاته ، بل نظرت إليه كما تنظر إلى المحركات الآلية ، التي يمكنهم أن يغيروا سلوكها واتجاهاتها ( إذا كذبت تذهب للنار ) ( إذا صدقت تذهب للجنة ) ( الكاذب سيحرم من الهدايا ) ( الصادق سيحصل على هدية ) ! ولا يخرج تعليمنا للقيم في الغالب عن إطار التوبيخ والتهديد والعقاب والثواب ، أو أسلوب الوعظ الذي لا يستطيع الطفل أن يستقبل منه ما يتجاوز الـ 30 ثانية !
ما هو أهم من تعليم طفل الروضة ذو الـ 3 أعوام الأحرف ، أن يتعلم كيف يحترم المعلم الذي سيعلّمه الأحرف ، وكيف يكون صادقا ، أمينا ، شجاعا ، مسالما.. وكل القيم التي  تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته ، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة ، ومهما ضيّع من فرص ومكاسب .
ولا أبالغ إذا قلت إن هنّاك شحا مؤسفا في المكتبات العربية لكتب تعليم الأطفال القيم بصورة عملية سواء كانت للوالدين أو معلمي رياض الأطفال أو المرحلة الابتدائية وهو ما أعمل عليه حاليا طوال عامين متتالين آملة أن يجد هذا الكتاب النور في القريب العاجل ! وأن يتم إقرار حصّة القيم ضمن تعليم رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية .. و هكذا تتم إعادة النظر !

الثلاثاء، 3 فبراير، 2015

غاليه .. ودرسها الغالي !

 بقلم : انتصار رضي / فبراير 2015
كنت في رحلة خاطفة للأحساء الجميلة في ضيافة صديقتي صباح بوقسمي التي أغرقتني بكرمها الأحسائي الأصيل ، وسحرتني لأمدد فترة بقائي ليوم آخرنقضيه في ربوع الشرقية. وبما أنها كانت ملتزمة بحضور درس صباحي فعرضت علي مرافقتها لدرسها للتعرف على أستاذتها والأخوات المشاركات . استيقظنا في الصباح الباكر جدا حاول طفلي محمد أن يثنيني عن الذهاب بتعلّقه بعباءتي لكني لا أخفيكم أن الشوق اللامع في عيني صديقتي لهذا الدرس أثار فيّ غريزة الفضول لأتعرف على هذه الأستاذة التي تدفع بصديقتي أن تترك سريرها الوثير رغم السهر ورغم الشتاء البارد كي تتواجد قبل ربع ساعة من انطلاقة الدرس . أثناء الطريق قالت صباح : انتصار أنا واثقة ستعجبك أستاذة غاليه المحروس جدا .. يلقبونها هنا في القطيف رائدة العمل التطوعي .. والبعض يسميها أوبرا القطيف ! عملت غالية لمدة 27 عاما في شركة أرامكو هي الآن متقاعدة وتعطي دروسها في منزلها وقد دربت أكثر من  8000 امرأة . كنت أنصت باهتمام شديد ، تقول صباح : غاليه نظامية جدا لأبعد الحدود وتحترم الوقت . كنت أعتقد لوهلة أنها ستكون كأي شخص نظامي آخر أو كأي شخص يحترم مواعيده لكني عرفت أنها حالة فريدة من نوعها للوهلة الأولى التي لمحت اللوحات الإرشادية المعلقة على الأبواب والجدران والتي توصيك باحترام الوقت والنظام . دخلت قاعة الدرس التي تقف فيها غاليه على الباب تستقبل المشاركات صافحتها بابتسامتها الأخاذة ولمحت في عينيها إتقاد الطموح والفخر بمسيرة عطاء طويلة تركت أثرها على محياها . ما إن تدخل منزل غاليه حتى تدعوك إلى زيارة مكتبتها في الطابق الأعلى  ولا أبالغ إن قلت أنها المرة الأولى التي أزور فيها مكتبة من الـ ( حب ) ، فما عليك سوى أن تحبس أنفاسك اندهاشا وأنت تعبر بين أروقة مئات الدروع والشهادات التقديرية ورسائل الحب والإمتنان والشكر من جهات رسمية محلية ودولية أهلية وحكومية من متدربات من محبات من عاشقات ، ثم كتبها الأثرية والتي يبدو أنها جمعتها من زمن بعيد ..! كانت صباح تراقب وجهي وقسماته وأنا مشدودة برائحة العطاء النادرة التي تفوح من كل زاوية في تلك القاعة . ( ها .. ما رأيك انتصار ؟ سألتني صديقتي صباح ) ابتسمت بصمت وقلبي يقول ( الصمت في حرم الجمال جمال ) في تمام الساعة الثامنة بدون تأخير أو تقديم دقيقة أو ثانية تبدأ غالية درسها بقراءة القرآن الكريم ثم بمقاطع من أدعية أهل البيت عليهم السلام . ثم أعادت غالية بعضا من قوانينها لتذكير الآخريات بها حينها فقط عرفت ما معنى قول صديقتي صباح عنها أنها نظامية . تقدم غالية دروسا صباحية للسيدات تمتد الدورات لمدة شهر بشكل يومي  وتشترط أثناء التسجيل أن تتعهد المشاركات بعدم الغياب أو التأخير ، وتكون غالية مسرورة جدا أن تودّعك إذا غبت يوما واحدا عن درسها لأي عذر كان فهي تؤمن بقاعدة لا أعذار أبدا مهما كانت قسوة الظروف التي تمر بها ! أما التأخير عن الدرس فهو ممنوع وقد تتمنى حقا أن تنشق الأرض وتبتلعك على أن تحظى بنظرة وابتسامة واحدة منها على تأخرك ، تختار غاليه متدرباتها بعناية فائقة جدا ويصطف العشرات في طابور انتظار طويل لموافقة غاليه على الحضور لدروسها التي تعيد تشكيل حياتك للأفضل وتستدل منها على الطريق نحو حياة سعيدة .
بلا شاشات عرض وبلا عرض إلكتروني وبلا أدوات تدريب وبلا سبورة ولا تمارين كسر جمود جاء صوت غاليه دافئا محبا يترجم خبرة أعوام طوال عاشتها غاليه تعلمت منها الكثير وجاء الدور لتكون معلمة الكثير .. تعلّمي أن تقولي لا .. كان هذا درسنا.. متى تقولي لا .. كيف تجعلين من لا جملة كاملة .. لست بحاجة لقول نعم على حساب نفسك .. استرسلت غاليه في درس الـ (لا ) من دون انقطاع أو مناقشة كانت الأنظار كلها مشدودة لها .. والآذان تنصت بإهتمام شديد كيفية الـ ( لا ) التي لم تمنع البعض من استحضار خسائره الفادحة حين لم يقلها في لحظة حاسمة وفي قرار مصيري .. وتخللت الدموع فواصل الدرس . تقول غالية في درسها الذي تقدمه بالإنجليزية وتترجمه :
So today I invite you to join me in remembering to say no and our world won't fall apart because of it .
So if someone keeps pressuring you, they're being rude , and it's OK to just repeat , " I'm sorry , but this is just doesn't fit with me .
وتقول غاليه :
Saying NO can be done positively .
Saying NO Can allow you to try new things
Saying NO Can be done gracefully . Ii just takes a bit of practice
It is easy to say NO with convocation when you are clear about what you want .

إنتهت غاليه من درسها.. لكن تلك الـ ( لا ) لم تنتهي وأنا أحصي كما الآخرين حصاد أعوام طوال من الخسائر والمكاسب نتيجة صراع بين الـ ( لا ) و ( النعم ) .
إن من أجمل العبارات التي ذهبت في دمي عميقا حينما قالت أستاذة العطاء : أحبي نفسك نعم أحبي نفسك حتى تقولي لا في الوقت الذي يجب أن تقولي فيه لا وتنصفي نفسك أولا وأخيرا .. وحين تفرض عليك قناعاتك وظروفك أن تقولي لا فأنت لست بحاجة لتبرير هذه الـ ( لا ) قوليها ببساطة فقط ( لا ) !
غادرت منزل غاليه وفي يدي كتابها بنت القطيف الذي أهدتني إياه وأصرت ألا تقول عنه متواضعا وقالت : انتصار هذا كتابي الذي لن أقول عنه متواضعا لأني بذلت فيه جهدا وضمنته خبرتي آمل أن تستمتعي في قراءته .. قلّبت الكتاب الذي أصرّت غاليه على اخراجه فنيا بصورة متواضعة جدا بتغليف حراري عادي .. قالت صديقتي صباح : لقد عرضوا عليها دور نشر كثيرة أن يطبعوه لكن غاليه أصرت أن يكون كتابها بسيطا جدا وما يهمها هو أن تصل رسالتها في الحياة لمحبيها دون أجرة مادية بل قلبية تبروزها في مكتبها الزاخرة بالحب .