light

light

الأحد، 22 فبراير، 2015

ياســــــــين .. والهـــامش العظيم




بقلم : انتصار رضي / فبراير 2015
في عام 2004 كانت بداية معرفتي بالبرمجة اللغوية العصبية أو ما يعرف بالـ NLP ، في تلك الآونة كنت أحضّر الماجستير في الإرشاد النفسي ، ولم يكن من السهل على أكاديميي علم النفس أن يحترموا البرمجة كعلم له منهجيته العلمية . ففي الوقت الذي عبّر بعض أساتذتي بقولهم : "البرمجة ليست إلا مجموعة طرق وأساليب غير مثبتة علميًا تعتمد على مبادئ نفسية " ، اصطلح عليها البعض الآخر : " خزعبلات ولاشيء يذكر" !
بالنسبة لي فإن تلك الرغبة الداخلية القويّة ، التي تصل بك إلى  حدَّ الشَّغف ، في معرفة حقائق الأمور، وفهم الجديد ، والبحث عن التفسيرات التي تدفع بالعشرات في تلك الآونة لارتياد دورات الـ NLP ، والرغبة الملحة في معرفة العداء بينه وبين علم النفس ، قد دفعتني للتسجيل في دورة دبلوم البرمجة اللغوية العصبية.
(النمذجة) أو (محاكاة الناجحين) أو (نقل خبرة النجاح من شخص إلى آخر) القاعدة الأساسية التي انطلقت منها البرمجة اللغوية العصبية . إذ يهتم الـ NLP  بدراسة الامتياز البشري و ذلك عن طريق معرفة ما يقوم به الأشخاص المتميزون واستخلاص ما يقومون به و تعليمه للآخرين. تبدأ البرمجة بدراسة واستنباط استراتيجيات النموذج ، معتقداته ، قيمه ، الأنظمة التمثيلية والتي ينتج عنها  اكتشاف سلوك الشخص الخبير في مجال معين و السير على منهاجه للوصول لنفس الأهداف . تنطلق البرمجة بفكرة أن كل الناس متساوون في القدرات العقلية والجسمية ،الفروقات الوحيدة هي قضايا التحفيز بشكل أساسي والقيم و المعتقدات و المواقف التي تدفع الشخص ليكون متميزاً .
إن أول خطوات عملية النمذجة هي تحديد واختيار النموذج الذي ستتم محاكاته أو نقل خبراته في النجاح ، كان مدربنا يقول : " لسوء الحظ ستجدون صعوبة بالغة في العثور على هذا النموذج الناجح ، فالغالبية العظمى من الناس يعيشون حياة عادي بن عادي ، فهل يود أحدكم أن يكون مثل عادي بن عادي ! " .
هل تعرفون من هو عادي بن عادي ؟ حسنا كانت المرة الأولى التي أسمع فيها قصّة عادي بن عادي ،  ولد عادي بن عادي من أم وأب عاديين في قرية عادية ، وتربى عادي تربية عادية جدا في طفولته , ومرّ من خلال رحلته التعليمية  بمراحل عادية ، تخرج منها بتقدير عادي ، وترتيب عادي ومعدل عادي. دخل عادي بن عادي جامعة عادية ، وتخصص تخصصا عادياً ، وتخرج منها بتقدير عادي ومعدل عادي وترتيب عادي.  توظف السيد عادي في وظيفة عادية ، وتزوج فتاة عادية ، وأنجب أطفال عاديين .وبعد زمن ختم عادي بن عادي حياته وتوفى بعد رحلة حياتية عادية في يوم عادي ودفن في مقبرة عادية .انتهت حياة عادي بن عادي  لا فرق فيها ولا فريد , لا جد ولا جديد .
كانت ( النمذجة ) كالقشة للكثير من الغرقى في الوطن العربي ممن يواجهون التحديات المدروسة والمبرمجة والمؤدلجة على كافة الأصعدة ، جاءت البرمجة لتحطم إطار سيكولوجية وبنية المجتمع العربي التي صُبغت لأعوام طوال بالتهميش والجهل والكسل ، وترشده لحقيقة امتلاكه لمخزون كبير من الطاقات الكامنة تحتاج إلى نموذج تحاكيه لتصنع المستحيلات ، فلا مستحيل تحت الشمس في الـNLP وإن كانت المهمة بحجم مجرّة كتغيير العالم  !! ولا فشل في الـ NLP  بل تراكم خبرات تدفعك بالتحفيز لتكرار المحاولة.
كانت الألفية بداية السباق المحموم لمُبَرمِجين في تمهّن التدريب على البرمجة ، والمُبَرمَجين في ألا يكونوا عادي بن عادي . في صراع تدّخلت فيه رجالات الدين في البحث عن البعد الابستمولوجي للـ NLP  ، و علماء النفس وغربلة الأيديولوجية التي تقف خلف البرمجة وسواهم ممن بحث ونقّب وكتب في هذا المجال . كانت قصة عادي بالنسبة لي مثل الشبح الذي يلاحقني في مفاصل مسيرة حياتي ، لا أنكر أنها اخترقت عقلي اللاواعي وبدأت تتحكم في الكثير من قراراتي المصيرية !! كان ذلك القبر العادي الذي سيكون نتيجة لحياتي العادية أشبه بالكابوس الذي أخشى أن يحاصرني يوما ما . لست وحدي من تنازعني هذا الكابوس بل كل أولئك المُبَرمَجين معي وقبلي وبعدي الذين انتشروا في الحياة يبحثون عن النموذج الذي يصنعهم رقما صعبا في الحياة ، و يجعلهم يقولون كما حفر موسى المعماري صاحب قلعة موسى الشهيرة في لبنان على جدران مدخل قلعته : كانت الحياة أفضل لأني عشت فيها !
لم يعد هناك معنى يذكر لدى المُبَرمَجين لأولئك الأشخاص الذين يسيرون على خطى عادي بن عادي ، كـ " ياسين " مثلا . أخي ياسين الذي يكبرني بـ 7 أعوام ، والوحيد الذي لم يحالفه الحظ بين أفراد أسرتي المكونة من 13 فرد أن يدرس في الجامعة . فاختار دراسة عادية في المعهد ، وتخرج بشهادة عادية ، وعمل في شركة بناء بمهنة تكاد أن تكون أقل من عادية . كان يذهب في صبيحة يوم باكر إلى الشركة مع مجموعة من العمال الآسيويين إلى " الكسّارة " ، في مساحة من البر تحت شمس سماء صيف صائف لا يحجبها غيمٌ أو غبار ، يعمل على تكسير الحجارة المعدة للبناء حتى غروب الشمس .
كان ياسين طموحا ، محبّا للقراءة والكتابة ، في كل أسبوع يرسل عبر البريد العادي مقالا لصفحة بريد القرّاء في احدى الصحف اليومية ، لكن أحدا لم يكن ليعلّق أو يبدي ملاحظاته القيّمة على مقالاته التي كان يقرأها أناس عاديون مثله . ثم يجمع تلك المقالات في ملّف متخم بها وبالشهادات التي اجتازها ويغلّفه بسيرته الذاتية للبحث عن وظيفة أفضل حتى انتهى به الأمر للعمل كمراسل في احدى الشركات .
كنت أمرّ بسيارتي على شارع قريتي الرئيسي صباحا وأنا متجهة للعمل فأجده يحثّ الخطى بابتسامة لا تفارقه ورضا لا يشوبه يأس وهو منطلق لعمله سيرا على الأقدام قبل أن يشتري سيارته العادية جدا والمهترئة.
كان ياسين شاعرا ، يكتب الشعر العمودي ، لكن قصائده العادية لم تخرج عن نطاق المناسبات الدينية ، إذ كان يتغنى بها بعض المنشدين على مستوى القرية . كان يطمح أن يطبع ديوانه الأول ويجمع فيه بعض قصائده ، وكثيرا ما قال لي : "ربما لن أضع اسمي على غلافه .. المهم أن أطبعه ".
لدى ياسين صديق واحد فقط ، انسان عادي جدا ، يأتي ليزوره بين الفينة والأخرى ويسمع منه بعض قصائده ويشاركه بعض همومه .لم تكن الابتسامة تغادر شفاه ياسين ، كان بارا تقيا ورعا مطيعا ، لا يعرفه الناس سوى بذلك الشاب الذي يمشي على هامش الشارع في منتصف الليل أحيانا ليشتري علبة لبن لأمّه المسنّه المريضة .
كان صامتا أغلب وقته ، يستيقط كل يوم في الفجر يصلي النوافل ويدرس القرآن ، ويرتدي زي العمل ويسجّل في ذاكرته طلبات أمي من البقالة . كنت كثيرا ما أصرّ على أمي ألا تعذبه بكثرة الطلبات فيجيب وهو يبتسم : " عادي " . يعود من العمل لأخذ قيلولة وتناول الغداء ثم يعود للعمل من جديد . ويقضي المساء في قطع طريق البقّالة اليومي رواحا ومجيئا بحسب نشاط ذاكرة أمي التي تسقط منها بعض الطلبات في كل مرّة ، ولأنه ما قال " لا " قطّ ، كان هذا يحفز الجميع على التماس الكثير من خدمات ياسين التي يؤديها بكل سرور ويتبع ذلك ببعض الأحاديث عن فضل قضاء حوائج الناس عند الله !
كان كل شيء عادي في حياته ، هاتفه النوكيا وسط ثورة الهواتف الذكية ، خيّاطه العادي وسط الماركات العالمية ، حذاءه الذي يلمّعه في صبيحة كل يوم وسط الجلديات الفاخرة ، نظارته بإطارها القديم جدا وسط أحدث آخر الصيحات وأخيرا برنامجه اليومي الذي يخلو من كوب كابتشينو في مقهى كوستا ، أو رحلة سياحية خاطفة ، أو تجوّل في أحد المجمعات التجارية .
لم يكن لياسين صوتا حين يحتدم النقاش بين أخوتي في قضايا الحداثة ، وما بعد الحداثة ، وغيرها. ولم يكن يتحدث عن أركون أو يتقاسم معهم بعض الحسابات السياسية . كان شخصا عاديا يعرف جيّدا مواعيد الدواء لأمي المريضة بالشلل الرعاش ، وماركة العصير الذي تحبّ أن تشربه في الليل ، وعدد ملاعق السكر في كوب حليبها في الصباح ، ونوع الكريمات التي تستخدمها لآلام العضلات التي تجمّدت بعد اصابتها بكسر في فقرات العمود الفقري قبيل وفاتها .
 تزوج ياسين في مراسم زفاف بسيطة جدا تكاد لا تذكر أمام حمى الاستهلاك الفاخر في التجهيز لحفلات الزواج . أضاف ذلك الرباط لياسين برنامجا جديدا في حياته وهو أن تكون له عائلة . البرنامج الذي لم يدم طويلا ، إذ سرعان ما توفي بعد شهر واحد من زواجه بعد أن اكتشف اصابته بسرطان الدم الذي لم يمهله أن يفتح أغلفة هدايا زواجه .
توفي ياسين بعد صراع قصير جدا مع المرض ، كان طبيبه يقول في اليوم الأول لوصول نتائجه: "لا تقلقوا اللوكيميا حاليا كالانفلونزا لا خوف منها " . لكن ياسين اختار للمرة الأولى ألا يكون عاديا كبقية مرضى اللوكيميا الذين يكتفون بوضع كمامات على أفواههم ويقطعون دروب الحياة يتعلمون ويعملون ويتزوجون وينجبون ، اختار ألا يكون عاديا في رحيله السريع بعد مقاومته الشديدة لأضرار الكيماوي الذي عطّل كل أجهزته الداخلية لكنّه لم يعطّل ابتسامته حتى اللحظة الأخيرة . اختار ألا يكون عاديا بعد موته في تشييع مهيب حظى به ، حضره الكثير من الأشخاص غير العاديين وبكوه بألم . اختار ألا يكون عاديا في عزاء شارك فيه الكثير ممن لم يعرف ياسين في حياته !!

تذكرتُ أخي وهم يهيلون عليك التراب قصّة عادي بن عادي .. وأدركت أنّ الحياة كانت أفضل لأنّك عشت فيها .

هناك 4 تعليقات:

  1. مؤثرة جدا ..

    لا يمكن ان نقول بأنه شخص عادي لمجرد انه لم يتلق تعليم راق أو لم يحضى بوظيفة راقية ووو
    فهو يمتلك الكثير من الصفات الأخرى التي تجعل منه شخصا غير عاديا ..

    الله يرحمه ويسكنه فسيح جناته

    ردحذف
    الردود
    1. نعم كل هذه البساطة كان عظيما وعرّانا لنكتشف (عاديتنا) وقت احتضاره .. شكرا لحضورك

      حذف
  2. هحفظ الله قلما خط الألم لفراق هكذا إنسان. ياسينك يا إنتصاري لم يكن شخصاً عادياً عند أمة وربة فإختار له الله ان يلقاة بشكل غير عادي ، يلقاة دون تعب وعناء طويل ... اختار له ان يختم حياتة باابتسامة غير عادية.

    رحمة الله واسكنة فسيح جناتة

    ردحذف
    الردود
    1. نعم يا صديقتي .. أليس من الغريب أن نكون رقما صعبا في الحياة في حين لاشيء عند الله .. شكرا لجمال مرورك 🌹

      حذف