light

light

الأربعاء، 25 أبريل 2018

طفل معاميرندو .. والتجارب الوجدانية العميقة ..



   
Image result for ‫معاميرندو‬‎

بقلم انتصار رضي / أبريل 2018
قبل شهرين اتخذت قرارا بسحب الألعاب الالكترونية والأجهزة الذكية من أطفالي بعد قلقي من احتمالية اصابتهم بأعراض "اضطراب ممارسة الألعاب الالكترونية " . أخذت هذه الخطوة بعد شهر من إدراج منظمة الصحة العالمية هذا الاضطراب للمرة الأولى على قائمتها التي تحدد اضطرابات الصحة العقلية في مسودة المبادئ الإرشادية للإصدار الحادي عشر من التصنيف الدولي للأمراض .
كانت المنظمة قد حددت أبرز سمات هذا الاضطراب بإعطاء المصابين به الأولوية لممارسة الألعاب الإلكترونية بدلا من أنشطة الحياة وروتينها اليومي ، والعجز عن التوقف عن ممارسة الألعاب الإلكترونية رغم العواقب الوخيمة .  إبان ذلك أصدرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال توصياتها بشأن استخدام الأطفال للأجهزة الذكية بعدم السماح للأطفال من سن الولادة إلى 12 عاما باستخدام الأجهزة الذكية أو ألعاب الفيديو بأنواعها مطلقا أما في عمر المراهقة فيكفي نصف ساعة يوميا لألعاب الفيديو وأوقات محددة للأجهزة الذكية.
لن يتقبل الأطفال قرار اختفاء الأجهزة التي استمروا في اللعب بها بكثافات عالية لكنهم لن يقدّروا أيضا خطورة العواقب الصحية .لم يكن هذا بالقرار السهل على أمّ مثلي تؤمن أن اتخاذ القرارات نيابة عن طفلها حرمان مبكر من تحمل المسؤولية ، تؤمن بأهمية تعزيز ثقافة الحوار داخل الأسرة وأن يكون الأطفال فاعلين في التعبير عن آرائهم  . رغم ذلك تبقى قدراتهم على اتخاذ قرارات على قدر  تجاربهم الحياتية المحدودة فكيف لهم أن يدركوا خطورة هذه الألعاب والأجهزة على أدمغتهم وحياتهم الاجتماعية !
الآن بعد مرور شهرين وأكثر من حياة أطفالي دون أجهزة وألعاب الكترونية ، أكثر ما يمكن ملاحظته هو عودتهم إلى حياتهم .. مطاردة الأخوة ، المشي ، الحبل ، الغميضة ، اللعب بالكرة ، القفز ، ألعاب التحدي ، اللعب مع الحيوانات ، الرسم والأشغال اليدوية . لم أخطط مسبقا لهذه البدائل ، لكن أدمغتهم الفارغة من التشويش قادتهم للعودة لهذه الحياة، طفولة ما قبل الطفرة التكنولوجية والعالم الرقمي ، طفولة معاميرندو ! 
اصدار معاميرندو جزء من سيرة ذاتية مشتركة للشاعر أحمد رضي مع أقرانه كشف أسرارها بعد مضي زمن ، اشتباكات وسرقات و مغامرات في ممرات قرية المعامير ، شوارعها ، سواحلها ، بحرها الذي لم يردم، وجه البحرين قبل أن يدفن .
ما بعد الأجهزة الذكية لأطفالي وجدت قراءتي لمعاميرندو مختلفة ، تلمست تلك الطفولة التي تغوص في مكامن عقل الطفل محاولة تحريكها وتهيئتها لتكون أرضاً خصبة للإبتكار . ابتكار الألعاب واختراعها من أدوات بسيطة ، حكايات العلب الفارغة في بيئة كل ما فيها يمكن أن يستعمل مرة أخرى بطريقة ما  ، إعطاء قيمة لكل شيء صغير وقديم وبال ، أغطية قناني البيبسي كانت كفيلة أن تغمر الصبيان بالسعادة بمجرد قلبها ،الغطاء الورقي للآيسكريم يفjي بالغرض للعب البوكر ! الأشياء الصغيرة البالية القديمة التي كان يجمعها طفل في جيبه " الخراويش" تعلـم الأطفال أن لكل شيء قيمة.
اليوم أرى كل الجهود التربوية التي تبذلها المؤسسات التعليمية لتحفيز الطفل على الابتكار وخلق أفكار جديدة وتطوير المناهج بطريقة تساعد على خلق جو دراسي محفز للتفكير بإبداع والتحرر من التفكير النمطي كل هذا لا يؤهله لدمج حواسه الداخلية والخارجية في عمليات التفكير الإبداعي التي كان يمارسها أطفال معاميرندو في بيئة خالية من المشتتات يقفز فيه الصغار من أعلى سطوح المنازل إلى كومة من الرمل ، أو يغامر فيها طفيليو الأعراس ممن لا يفوتوا حفلة خطوبة في القرية إلا وملأوا جيوبهم ببهجتها ، الأطفال الذين يخططون لمشاريع واستثمارات قادمة من تسفيط السمك أو حمل الأكياس في الأسواق ، الجلوس في أسطح البيوت والتأمل في الفضاء الشاسع ، التفكير في الحب والموت والجن ، البحث عن الله .. كيف يرانا ؟ كيف يحصي كل هذه الأفعال والأشياء !
كل تلك التجارب الحسية و الوجدانية العميقة لن تجدها اليوم بسهولة في عالم الأطفال الضيق بالجلوس في المنزل والتمتع بالأجهزة مع حماية زائدة تحرمهم من الخروج في الأماكن العامة أو طرقات قريبة . لعل أكثر ما يشدّك لطفل معاميرندو الفرصة للتأمل في كل التفاصيل حوله ، الطفل الذي يتأمّل حتى النقوش في السجادة مخترعا قصة بين الكائنات الغريبة التي تظهر بعد أن يدقق النظر " واصل التحديق بتلك الطريقة في السجادة سيظهر لك حينها وجه لم تكتشفه قبلا مختبئا في تلك التعرجات وقد تكتشف سرا قابعا في متاهتها وفي خطوطها شديدة الانحناء " .
آلاف الصور والأفكار التي تشاكس ذاكرة طفل بلا ملهيات الكترونية في حالة من الملل الخلّاق بلا مشتتات. أطفال معاميرندو هم أطفال قادرون على الاتصال بمدى وعيهم ، تقودهم لحظات التأمل تلك إلى اكتشاف حقيقة كينونتهم ، مشبعين بالحوارات الطويلة وسرد القصص الخيالية والمغامرات التي لا تخلو من الشقاوة ! لم يجد الكاتب هذا في طلبته اليوم بعد محاولة فاشلة منه في اتاحة الفرصة أمامهم للتسابق في سرد قصة فنتازية أو التفكير خارج صناديق الواقع . لم يجد بينهم طفل معاميرندو الذي عاش الحياة بكامل حواسه فلم يخزنها في الذاكرة وإنما في المخيلة .. ولن يجد ..
ما لم نهرب بأطفالنا اليوم من حدود الفضاء الالكتروني لفضاء الله الشاسع !



الاثنين، 9 أبريل 2018

الروايات ميدان خصب للقراءات النفسية ..


Image result for ‫حوام المحروس‬‎

 "حوّام" أدهشتني في تجسيد كل معايير اضطراب الشخصية الهستريونية Histrionic Personality Disorder


انتصار رضي . ديسمبر 2017

تحليل السلوك والعقل والتفكير والشخصية لكل من حولك  ، معرفة دوافع السلوك التي يحاول الآخر أيا كان أن يتفنن في اخفائها ، طرح وجمع معادلاتك النفسية لفهم سلوك الآخر والتبنؤ به وأخيرا إن أردت التحكم فيه. كل هذه المعارك لا تهدأ في عقلك إذا كنت اخصائيا نفسيا !
يحدث هذا أيضا إذا قرأت الروايات والسير،  تكون قراءتك النفسية سابقة لقراءتك الأدبية  والفنية وإن كانت دراسة الرواية دراسة نفسية أمرٌ لا يخلو من مشكلات، فقد تنقلك بعيدًا عن مناحي النظر الأخرى في العمل الأدبي ، إلا أنني ممن ينتصر إلى كون الأدب ميدانا خصبا للقراءات النفسية، وأن الصراع العنصر الأهم الذي يبنى عليه العمل الروائي لا يشتد داخليا وخارجيا إلا بالتركيز على البعد النفسي وهو محصلة البعدين الاجتماعي والجسمي على أية حال .
بعيدا عن كل المحاكمات الأدبية والأخلاقية التي أثيرت حول الرواية ، بحثت عن " حوّام " كثيرا ! لم أجدها في المكتبات ولا عند الأصدقاء ولا عند المؤلّف ، كنت مدفوعة بشغف كبير لقراءتها بعد أن قرأت الكثير مما أنتجه المحروس في السير والأعمال الروائية والحق يقال أن للمحروس في الوصف و تجويد اللغة وتجميلها من السحر والجمال بحيث أن كل ما يقوله يخلب الألباب  .
يخلق الكاتب في حوّام رغبة مستمرة لمعرفة ما سوف يحدث في رواية لا تتعدى صفحاتها 214 بحجم كف اليد . ينقلك فيها من مفاجأة لأخرى في سبر أغوار شخصياتها ، رواية ترفع لدى القارئ الرغبة في الترقب والانتظار .... والقلق أيضا من مريم.

يقول البعض بأن الرواية هي الشخصية ، وحوّام  هي مريم .
لن تخلو أي دراسة نفسية لرواية ما من البحث في الأنماط السيكولوجية أو السلوكية التي ينتج عنها الشعور بالضيق أو العجز ، أو ما يسمى في الدراسات النفسية بالاضطراب. وإن كانت النصوص لا تحيل إلا على النصوص لكني لا أخفي دهشتي من اتقان المحروس لتصوير نموذجا حيا لاضطراب الشخصية الهستريونية Histrionic Personality Disorder

( حدثتني جدتي مريم قالت : إذا كثر خروج المرأة في الحي ، وألفتت في مشيتها بين البيوت ، نعتوها بـ " حوّام ) .

بهذا الاختزال والتكثيف في الصفحة الأولى تلمست مظاهر الهستريونية في شخصية مريم أو " حوّام " الكنية التي أطلقها الكاتب في مزاوجة فريدة أبدعها بين سلوك الحمام والإنسان .كمهتمة شخصيا بنظرية التطور تأملت هذه المزاوجة في الرواية وأظنها تستحق أن يكتب عنها اليوم قراءة منفردة وسط جدل مستمر عن مدى تشابه أو اختلاف سلوك الانسان عن باقي الحيوانات !

كنا نسمع كثيرا أن للجدات كلام لا يشبه أي كلام، ربما كان ذلك الوصف عن " حوّام " يتناقلنه الجدات على سبيل الفكاهة أو يتراشقن به بين النساء داخل القرى ، ليحذرن من بعضهن البعض لكن تلك المعرفة القليلة التي تم اختصارها في كلمة أو كلمتين لتعريف حوّام لا تختلف عما جاء به الدليل التشخيصي في تعريف الشخصية الهسترونية .

( نمط ثابت من فرط الانفعالية وجذب الانتباه ) هذه مريم منذ اللحظة الأولى لزواجها بـ  عباس. نسيت طرق تثبيت المشمر على رأسها فيسقط في الدقيقة مرات . وكلما تحرك من فوق رأسها أو بان شيء من شعر رأسها أو كشف عن صدرها أومأ إليها عباس بعينين غاضبتين ...مريم التي تنتقي أزياءها ، حقيبة يدها ، حجابها ، مكياجها ".
 لا ترتاح الشخصيات الهيستريونية في المواقف التي لا تكون فيها محور اهتمام الجميع كمريم التي تلفت ولا تلتفت حتى صارت تغادر الجلسات العائلية فلا تغادرها أعين الرجال وزكريا أولهم  . كن نسوة الحي يستنكرن كشفها لجزء من صدرها وساقيها المخضبتين بالحناء في صباح عرسها . تختال في مشيتها ترتدي ما يجعل جسدها أقسام وجهات منفصلة ومتصلة . حتى نسي زكريا ذات يوم أنه يحمل طفلته فاتن بين يديه وهي تعبر أمامه
 " فتنتني عن فاتن .. شغلني حمل عن حمل " .
هكذا تتفنن الشخصية الهيستريونية باستخدام جسدها في لفت الانتباه إليها . وتتسم غالبا في علاقتها مع الآخرين بسلوك جنسي إغوائي مثير ليس من أجل رجل واحد ولا تجربة حب واحدة ! تغامر في الحب ، تتفنن في الشقاوة مع حبيبها ، تبعثر حواسها وروحها فيه ، تهندس جسدها له ، حتى إذا جعلت منه جحيما بحثت لها عن آخر. عمر العلاقات لحوّام بعمر الدهشة الأولى .. وأحيانا بعمر القبلة الأولى كحمامة زكريا التي قالت عنها مريم :
 " لا تكتفي برجل واحد ولا تستطيع فعل ذلك حتى لو كان الرجل يعبدها . تنتقل بين ذكور الحمام ونراها تضرب رقابهم بمنقارها . الضرب عند الحمام تقبيل . تعود لذكرها محبطة إن لم تصادف من يبادلها التقبيل وفي اليوم الثاني تعيد الكرة " ...
 كانت مريم تتحدّث عن حوّام ، عنها ، عن النساء الحمام كما قال زكريا المولع بحماماته أكثر من ولعه بلقاء عروسه في ليلة عرسها. لن تجد توصيفا للشخصية الهيستريونية - الاضطراب الأكثر شيوعا عند النساء - أكثر دقة من الوصف الذي جاء على لسان مريم عن الحمامة التي تشبه المرأة :
(عندما يغفل ذكرها أو يطيل الجلوس على البيض قد تترك ذكرها إلى الأبد وتترك بيضها أيضا إذا صادفت ذكرا آخر يفتنها . أحيانا الحمامة يصير خاطرها في ذكر آخر فتترك ذكرها وتطير دون علمه إلى سطح آخر وما أن تلاقي ذكرا حتى تقترب منه جدا وتقبله وتمكنه من نفسها ، تعود إلى ذكرها الأول منتشية وبعد ساعة أو أقل تطير لذلك الذكر ، تفعل هذا كل يوم مرات فإذا لم تجده طارت تبحث عن ذكر آخر ... تستمتع إلى آخر ريشة ) .
لاتعود حوّام للرجل مرتين كما مريم التي تستلذ بجمع عدد من ضحاياها في الحب . تتركهم يصارعون ذكرى غواياتها وشهوتها ، وتظهر لهم تحولا سريعا في التعبير عن العواطف من الحميمية إلى السطحية . هكذا تركت زكريا  ، حمامة مكسورة الجناح يهيم في أحراش النخيل والبحر وهي تستلذ بموسيقى عارف والرقص أمامه ! هذه مريم منذ صباها منذ فيصل في المرحلة الابتدائية ، مرورا بمعلم الخط ، الرسام الوسيم ، خال صديقتها ، شباب الجامعة ، عباس ، جاسم ، زكريا ، عارف ..... حيث تعمد الشخصية الهيستريونية بتحويل كل علاقة عابرة إلى حميمية أكثر مما هي عليه في الواقع فلدى هذه الشخصيات قابلية للتأثر بسهولة عند استمالة الآخرين لهم .ثم سرعان ما تذهب أو " تبنّد " كحمامة طارت في الأفق وتوارت فيقال لها " بنّدت ".
تتفنن مريم في التعبير عن ذاتها وجسدها أمام عشاقها ، تمارس انتقاما لاواعيا من عباس الذي يسافر عنها ليعود برائحة خيانة جديدة. تحدثت نظرية التحليل النفسي لفرويد عن هذه الحالة بالتنفيس المشوّه لتحقيق نوع من التوازن وخفض القلق المرتبط بصراع الرغبات . إذ تسعى هذه المرأة قدر ما تستطيع  إلى تحويل الخبرات والرغبات المؤلمة إلى خبرات لا شعورية وضمان بقاء هذه الخبرات والرغبات بعيدة عن حيز الوعي . وهذا ما كانت تعنيه مريم  حين وضعت وجه زكريا بين يديها وحذرته بعد أن حصل بينهما ما حصل :
( اسمع .. إياك أن تشعر بالذنب ) . فهذا الشعور كفيل بنقلها لحيز الوعي الذي تجاهد الشخصيات الهيستريونية أن تحارب الولوج فيه .
وإن كانت أكثر الأسباب شيوعا لاضطراب الهيستريونية عند النساء هو الاستعداد الوراثي إذ يلاحظ توفر شخصية مماثلة في أحد الأبوين أو الأقارب . إلا أن العوامل النفسية والاجتماعية تلعب الدور الأبرز في تمظهره فالإحباط وخيبة الأمل في تحقيق هدف ما أو الفشل في الحب والزواج والحرمان يلعب الدور الأبرز في تضاعف أعراضه فكيف لفتنة كمريم التي قال عنها زكريا :
" عيون الحمام . وجه الصباح . هواء البحر في الليل عندما يصخ الناس ويغيبون . حبة القلب زهرة الرمان ، رائحة البستان . تجلس جوارها فلا تشعر بعطش ولا جوع "
كيف لكل هذا أن يحصره ويحكره رجل كـ عباس في غرفة مقفلة على سطح بيت واحد !
صراع الرغبات والغرائز مع الواقع والقيم في هذه الرواية جسّد صورة مماثلة لما تواجهه المرأة الهيستريونية في علاقاتها العابرة وهي تنتقل بينها من الحميمية إلى السطحية ! هل كان " التوزيع كله غلط " كما تساءل زكريا متعجبا لماذا يزاوج الله بين اثنين ليس بينهما مودة ؟
عند مريم سيبقى التوزيع دائما غلط ... مع امرأة لا تبات ليلة واحدة دون حب ولا تعود للرجل مرتين ...

هذه حوّام التي لم تتوقف حتى الآن ....



الأربعاء، 26 أكتوبر 2016

الكذب المرضي


بقلم : انتصار رضي - أكتوبر ٢٠١٦

الكذب المرضي أو ما يسمى A pathological liar ويسمى أيضا Pseudologia fantastica حيث ينسج الشخص كذبة ويعيشها بحذافيرها ويوهم الآخرين أنها الحقيقة على الرغم من أنه يتحدث عن أمور خيالية يصعب تصديقها .
الكذب المرضي يعد أحد اضطرابات الشخصية إذ تجد أنه عادة ما يحدثك هؤلاء الأشخاص بأحاديث عن قدراتهم الخارقة أو علاقاتهم الاجتماعية بالمشاهير والمسؤولين مما ينافي ما هو على أرض الواقع ..... كطالب يرسب في كل مواده الجامعية لكنه يوهم الآخرين أنه الأول على دفعته ، أو مخرج أفلام يجلس معك ويدّعي أنه قد حصل على عروض خيالية من كبرى شركات الانتاج في هوليوود في حين أن أعماله لا تتعدى قناته في اليوتيوب !
أكثر الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة يتأقلمون معها و يعيشون حياتهم العادية و هم يمارسون الكذب على الآخرين، ولكن سرعان ما تنكشف كذباتهم، ويفقدون الكثير من علاقاتهم !!
علاج هذه الحالة عادة ما يكون عند clinical psychological specialist أخصائي نفسي سريري . طبعا من الصعب جدا أن تسحب هذا المضطرب من كذبته بسهولة ، سينكر أمام الجميع حفاظا على شخصيته التي اختلقها لهذا يكون مشوار علاج مثل هذه الحالات طويل ويستغرق وقتا لاقناع المضطرب بالخروج من هذا الجو الذي يعيش فيه وقد يتمنى الموت على أن  يعيش الحياة دون هذا الجانب المزيف من شخصيته !!! تماما مثل  Stu في الفيلم القديم Phone Booth !!

Phone Booth  
الفيلم الذي شاهدته مرارا وتكرارا... تدور كل أحداثه في كابينة هاتف عمومي مع الشاب Stu والذي يقوم بدوره الممثل Colin  Farrell وهو يشغل منصب مدير مجلة اعلانات يبدو للوهلة الأولى رجلا مهما ومديرا تنفيذيا لكبرى الشركات وهو يقطع الطرقات يحمل هواتفه المحمولة والاتصالات تنهال عليه من كل حدب وصوب هو ومدير أعماله ومعاونه الذي ينقل له طلبات الزبائن من الشركات والممثلين ورجال الأعمال !

بينما يبدأ Stu بإملاء دروسه على زميله في كيفية التعامل مع زبائنه وهو ينفخ صدره كرجل مهم له في مجال عمله خبرة واسعة .

حتى ينتهي الطريق بـه إلى كابينة الاتصال العمومي التي اعتاد أن يرتادها كل يوم في نفس الساعة ليجري مخابرته العاطفية مع عشيقته Pam ويتفق معها على موعد للقاء في أحد الفنادق . طبعا ستتعجب أن Stu الذي يحمل هواتفا نقالة يلجأ لهاتف عمومي ليجري مخابرة يومية !! لكن على مايبدو أنه كان يدفن أثر خيانته لزوجته Kelly التي يخشى أن تتعقب فاتورة هاتفه فتثير في نفسها شكوكا أو ظنونا . 

حتى هنا لاشيء يستدعي الإثارة فالخيانات في زماننا تعوي ، لكن القصة المثيرة بدأت منذ أن أغلق Stu سماعة الهاتف بعد أن قطع له موعدا مع عشيقته Pam فأعقب هذا رنين الهاتف . لم يترددStu في أن يرفع سماعة الهاتف ويرد على مكالمة لاتعنيه وهو متيقن أنها ليست له ، لكن الصوت الغليظ المنبعث من السماعة أكد له أن هذه المخابرة ليست من رجل غريب ! فكيف وقد عرف أن المتحدث هو رجل الاعلانات واسمه Stu وأكد له هذا ببعض المعلومات الشخصية الدقيقة جدا.

الشيء الجديد أن هذا الصوت الذي يختبئ خلفه مجرم لم يغامر في عمليته الإرهابية من أجل اختطاف أو ابتزاز أموال إنه فقط ينتظر اللحظة التي يجد فيها Stu وأمثاله يظهرون بحقيقتهم أمام الآخرين ويعلنون للملأ أن وجه الملائكة هذا يختبئ خلفه وحش كاسر .

إنك للوهلة الأولى ستشعر أن الفيلم الذي تدور كل أحداثه في كابينة اتصال قد يكون مملا بسبب ثبات عامل المكان ! لكن المثير أن هذه المحادثة كانت تختصر عمر Stu بكل كذباته وأخطائه وعيوبه لتجمع كل أماكنه وزمانه في لحظة اعتراف واحدة يواجه بها هذا العالم أجمع .

لم يكن أمام Stu بدّا من أن ينفذ كل أوامر الصوت الغليظ الذي يختبئ صاحبه خلف زجاح نافذة في احدى البنايات المجاورة وخلف جهاز مراقبة لكابينة الاتصال التي يقبع فيها فريسته ولهذا لم يكن يجرؤ أن يخالف أوامره التي يمليها عليه وإلا كان نصيبه طلقة نارية ببندقية كاتمة للصوت فيموت دون أن يعرف أحدا بموته ولربما لن ينعى خبره في مجلته إلا تحت عنوان موت في ظروف غامضة !

ربما لو طلب الصوت 10000 دولار لكان أهون علىStu من أن يجبره أن يواجه مرآة نفسه أمام شاشات التلفزة والمحطات الفضائية وطاقم الشرطة والمخابرات وزوجته Kelly وعشيقته Pam وكل من حضر بعد أن شاهد صورته محبوسا في كابينة الاتصال يرفض الخروج منها تحت إلحاح رجل مفتول العضلات لم يكن من نصيبه سوى طلقة كاتمة ببندقية المجرم وجهت الأصباع لـ Stu وحده في اطلاقها .

لكن Stu بقي بين فكي كماشة يعترف أو تقتل زوجته أو عشيقته ، فما كان منه إلا أن مدّ وجهه المحمر خجلا والدم يسيل من احدى أذنيه صارخا بصوت متقطع مشبع بالندم إلى زوجته التي احتقنت أوردتها بالدم الحار وتجمدت كل أوصالها خوفا عليه :

Kelly لست ذلك الوفي الذي تعتقدينه انا أخونك كل يوم مع عشيقتي Pam التي تقف هنا في أحد الفنادق ، آتي إليها كل يوم في هذه الكابينة لأتصل وأبثها شوقي وحبي ثم أعود البيت وفاتورة هاتفي خالية من رقمها حتى لا تتعقبين مصدر الاتصال . أنا لست ذلك الرجل المهم الذي تظنين كل هذه الهالة للرجل المحترم بي مزيفة ، ساعتي السويسرية مزيفة ، وبدلتي التي أرتديها ليست إلا لجذب الانتباه وحذائي الايطالي وكل شيء .. أنها لست ذلك الانسان الناجح الذي تظنين كنت أخدعك طويلا وأخدعPam بأنني لست متزوجا ماذا أقول لك هذه الحقيقة ..أنا آسف !

الآن أيها الموت تعال سريعا لاحاجة لي للحياة وقد فقدت الصورة المزيفة التي كانت تجعلني أتنفس ...! هذا ماقالته تعابير وجه Stu وهو يعيد وجهه لداخل الكابينة ويكمل المخابرة باكيا متألما .. بينما يضحك المجرم الذي التذ بسماع صوتStu مرتجفا باعترافاته أمام كل القنوات الفضائية والجموع الحاشدة .

لابد كالعادة أن تظهر الأفلام ذكاء الـ FBI الذين استطاعوا معرفة أن Stu يقبع في الكابينة خوفا من مجرم يختبئ في احدى البنايات المجاورة يملي عليه أوامره تحت مقصلة البندقية الكاتمة للصوت .

لكن الوقت الذي اقتحمت فيه قوات الشرطة البناية التي ظنوا أن المجرم يختبئ بها كان نفس الوقت الذي انهار فيه Stu وخرج من حبسه رافعا يديه إلى السماء صارخا بكل قوته : اقتلني ..
نجى Stu بفضل ذكاء رجال الشرطة الذين أوهموا المجرم بموته بعد أن صوبوه بطلقة مطاطية أسقطته أرضا .
وهذا تحديدا ما يتمناه المصاب بهذا الاضطراب بعد أن يجبر على مواجهة الواقع الذي بناه في مخيلته بالصورة التي يألفها ويتمناها .
 





الخميس، 29 أكتوبر 2015

ضع نفسك مكاني



بقلم انتصار رضي / أكتوبر 2015

قبل أيام أعلن مارك زوكربيرج رجل الأعمال والمبرمج الأميركي، مؤسس موقع الفيس بوك الاجتماعي عن منح موظفيه خدمة اتصال بطيء بالإنترنت كل يوم ثلاثاء، وذلك من أجل مساعدتهم على استيعاب احتياجات المستخدمين في الدول النامية. ونقلت العديد من الوكالات الأخبارية والمجلات والصحف  عن زوكربيرج قوله أن من شأن المبادرة الجديدة التي أطلق عليها اسم "2G Tuesdays" أن توفر اتصال من الجيل الثاني البطيء للغاية بالمقارنة مع السرعة التي يوفرها الجيل الثالث والرابع وذلك بعد أن عكفت الشركة على تعديل فيسبوك وجعله أكثر ملاءمة للشبكات البطيئة، كتلك الموجودة في دول مثل كينيا والهند . وتقوم الشركة في صباح كل يوم ثلاثاء بتوجيه رسالة لجميع موظفي فيسبوك لحثهم على تجربة الاتصال البطيء بالإنترنت لمدة ساعة على الأقل، وهي تجربة ستساعدهم على تحديد الأقسام التي تحتاج إلى تطوير في الموقع وتطبيقاته.
يذكرني هذا بإحدى أدوات حل المشكلات وهي من التقنيات التي تؤكد عليها البرمجة اللغوية العصبية NLP " تقنية مواقع الإدراك "  . تنطلق هذه التقنية من قاعدة أن اتصال الأفراد ببعضهم البعض يتفاوت بين الإيجابية والسلبية نظرا لتباين مواقع الإدراك فيما بينهم . وتهدف هذه التقنية إلى توسعة مداركنا لأمور كثيرة قد لا نستطيع إدراكها ونحن ننظر للمواقف التي نمر بها من زاوية ذاتية لا موضوعية !
يرى الـ NLP أن هذه التقنية تساعد الأفراد على تحقيق اتصال ايجابي فعال وأنها تساهم في عمليات جمع المعلومات بصورة واضحة ، مما يؤدي إلى الإحساس وفهم وجهات نظر الآخرين واستيعاب نقدهم وتحمل آراءهم  . وتؤكد هذه التقنية في حل المشكلات عن طريق ثلاثة مواقع يتقمص دورها الفرد نفسه :
أولا : موقع الذات التي تعكس وجهة نظر الشخص فيرى بعينيه المواقف التي تواجهه ويصف أحاسيسه في هذه الحالة  ، والفرد في هذا الموقع يكون في منطقة اللاوعي فقط فهو يشعر بنفسه لكنه لا يرى ولا يسمع نفسه .
ثانيا : موقع الآخر والذي يعكس وجهة نظر الشخص الأخر فينتقل ليرى بعيني الآخر ويصف رأي الآخر  ، هنا ينتقل الفرد بين مرحلة الوعي واللاوعي حيث يشعر عن الذات يرى ويسمع الذات كما أنه ينتقل إلى الآخر يرى نفسه يتخيلها ويعرف مواقف الآخرين تجاهه.
ثالثا : موقع المراقب إذ  يرى الفرد ما يجري بين الذات و الآخر، و يقرّب وجهات النظر و يجد الحلول المناسبة. في المراقب لدينا وعي فقط فالفرد لا يشعر بالذات ولا في الآخر بل يراهما ويسمعهما ، وهو الموقع الذي كثيرا ما يفض النزاع الدائر بين موقعي الذات والآخر.
تعتمد هذه المهارة بدرجة كبيرة على عملية التخيل وقد تتماس بدرجة قريبة أو بعيدة مع فنية لعب الدور في الإرشاد النفسي والتي سبقت تقنيات البرمجة اللغوية العصبية بكثير . و يعرف لعب الدور في معجم التراث الأمريكي قاموس اللغة الإنجليزية (2002) بأنه:  فنية إرشاد وعلاج نفسي تستهدف تخفيض الصراع المتضمن في المواقف الاجتماعية المختلفة، حيث يمثل أو يؤدي بموجبها المشاركون أدوارا سلوكية معينة لتوسيع وتعميق وعيهم بمختلف وجهات النظر.
سواء كانت في البرمجة أو في الإرشاد النفسي الهدف الأساسي تعديل سلوك وتحقيق اتصال ايجابي فعّال بين الأفراد . تخيلوا لو أننا فعّلنا هذه الفنية في أدوارنا في مختلف مكاناتنا الاجتماعية التي نشغلها كآباء وأمهات وأبناء وأصدقاء وموظفين ... ! كم من المشكلات نستطيع أن نتلافى وقوعها أو تضخمها !
من خلال عملي الإرشادي النفسي والأسري خلال سنوات خلت كانت كثير من المشكلات التي تعبر في ملفاتي تنطلق من تربص الأفراد بمواقع الذات دون تفهم الآخر .. فالأب لا يستطيع أن يعيش شعور المراهق .. والمراهق لا يقدّر مخاوف الأب .. والأم لا تشعر بالطفل لذا لا تتفهم أسباب عناده .. والزوجة لا تعيش في حذاء الزوج ! والمدير لا يتفهم مشاعر موظفيه والموظف لا يدرك ما يفكر فيه مديره من موقعه ، الخادمة وربة البيت ، الطبيب والمريض ، البائع والمشتري ... وهكذا تكون النتيجة فشل عمليات الاتصال بين الأفراد في حين أن الدراسات تؤكد على  85 % من نجاح الفرد  في حياته مرتبط بتمكنه من مهارات الاتصال الفعال و15 % منه فقط تعزى إلى إتقان مهارات أخرى!
بلا شك تحتاج هذه التقنية الوقت اليسير من عمليات التفكير قبل تبيان ردود الأفعال ، لكن التحدي الأكبر اليوم هو عنصر الوقت ...!  من تلك التحديات شبكات التواصل الاجتماعي اليوم  التي احتلت المرتبة الأولى للتواصل في عالمنا الرقمي وباتت لا تتيح للأفراد فرص كافية من التفكير والتخيل للانتقال بين مواقع الإدراك الثلاثة في حل المشكلات .
فالتواصل المباشر سابقا كان يتيح مجال لسماع الآخر والشعور بأحاسيسه وتقبل أفكاره ومناقشته ، أما اليوم مع امكانية النشر المتاحة في صفحات التواصل الاجتماعي سنحت للأفراد فرص التعبير التلقائي السريع عن أفكارهم ، وانفعالاتهم ، ومشاعرهم دون انتقال في تلك المواقع وهو ما انسحب أثره إلى التواصل الواقعي في حياتنا في أسرنا في جماعات العمل والأصدقاء  .
 ولعل هذه التلقائية تفسّر ما كشفت عنه دراسة حديثة  لشركة، هيثر آرمسترونغ أن النشاط الدماغي لدى مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة "تويتر" يرتفع عند نشرهم تغريدات جديدة وذلك في مناطق دماغية مسئولة عن التهيج العاطفي والذاكرة والمشاعر وهذه نفس المناطق التي تتحفز في عمليات الهجوم والدفاع ولحظات الإثارة الجنسية ، مما يعكس معدل الاندفاعية العالي أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومن البديهي في هذه الحالة أن تنتفي فرص الموضوعية في التعبير عن بعض الآراء ...!
بالمقابل ونتيجة لاتساع هذه المساحة الشاسعة في حياتنا الرقمية ، تصدرت الأسر الصامتة في مجتمعاتنا فلا مكان للحوار والتشاور المباشر وجها لوجه ، وهو  ما ساهم بشكل كبير في ضبابية المعلومات التي ترتبط بموقع الآخر .. بل وأحيانا جهل الفرد بمعلومات ترتبط بذاته عوضا عن معرفته للآخر ! 
 اليوم شبكة الفيس بوك تتصدر كأكبر وأوسع شبكة تواصل في العالم إذ ترى مجلة التايم أن زوكربيرغ ساهم بتأسيسه "فيس بوك" في تغيير حياة مئات ملايين البشر والمجتمع بالكامل. وأفاد مدير تحرير "تايم"، ريتشارد ستينغل إن عدد مشتركي "فيس بوك" وصل إلى 500 مليون شخص وقد ساهم الموقع في ربطهم ببعضهم البعض... !
في الوقت الذي تكون فيه شركة الفيس بوك في حذاء 500 مليون مستخدم لشركتها لتطوير خدمات التواصل بينهم .. يبدو أنه من اليسير لنا أن نكون في أحذية من هم أقرب إلينا .. وسط جدران منازلنا .. ! 



الخميس، 8 أكتوبر 2015

الأب المفقود


بقلم : انتصار رضي / أكتوبر 2015
قرأت مؤخرا تجربتين بينهما بعض العوامل المشتركة التي أوصلتهما للنجاح ، الأولى سيرة ملالا يوسفزاي الفتاة الباكستانية التي ناضلت من أجل حق التعليم وحاول الطالبان قتلها ونجت بأعجوبة بعد أن أجريت لها عدة عمليات جراحية. وقد أصبحت ملالا رمزا عالميا للسلام والنضال السلمي وأصغر مرشحة لنيل جائزة نوبل للسلام . ملالا التي ولدت في قبائل البشتون الذكورية المتعصبة وسط وادي سوات باكستان الذي تحيط بهالجبال الشاهقة، والسهول الخضراء، والبحيرات التي تتميز بصفاء مياهها إذ تعد هذه المقاطعة من مناطق الجمال الطبيعي الخلابة، ومقصدا للسياح حتى عهد قريب .
تقول ملالا " عندما ولدت أشفق الناس في قريتنا على أمي فيما لم يهنئ أحد أبي ، ولدتُ أنثى في أرض تطلق الرصاص ابتهاجا بمولد الذكور ، أما البنات فيوارين عن الأنظار وراء الحجب ، فدورهن في الحياة لا يتعدى إعداد الطعام وإنجاب الأطفال " .
لكن والدها ضياء الدين الذي يلعب دورا محوريا في كل سيرتها لم يكل ككل البشتونيين الذين يحتفون بمولد الذكور فقط ، فقد آثر أن يحتفي بها في ولادتها ويقيم الطقوس التي تقام للذكور فقط ويباهي بها أمام الناس غير عابئ لشفقتهم به .
ضياء الدين أو " الصقر " كما تلقبه ملالا  ، مثقف وشاعر ورجل يملك رؤية شخصية استطاع بإصرار وعزيمة أن يترجمها على أرض الواقع في محلّ اقامته وادي سوات حيث عدّ من روّاد مسيرة التعليم ، وناضل من أجل افتتاح مدرسته وتوسيعها وسط مجتمع قبلي في بداياته وطالباني في أواخره . من يتتبع سيرة ملالا سيجد بروز ضياء الدين في كل مفاصل حياتها ونجاحها بدءا من بناء مفهوم الذات لديها فذلك التكوين المعرفي المنظم للمدركات الشعورية والتطورات والتقييمات الخاصة عند ملالا  والتي تبلورت في تعريف نفسي رسمته لذاتها واستطاعت أن تصل إليه هو من صنع ضياء الدين بالدرجة الأولى  ، بدءا من اختيار اسمها ملالا تيمنا بـ ملالاي مايواند البطلة الأفغانية ، وإلى طفولتها التي عززها بالعبارات الإيجابية ويؤكد فيها على أنها ستكون فتاة استثنائية وعلامة فارقة على مستوى العالم . كان أول من يصفق لها في انجازاتها ويدربها على الخطابة والوقوف على المنصات ويجتهد في حفظها للأشعار وتحفيزها للقراءة وتعلـّم اللغات . في ذلك الكتاب ستجد كيف قاد هذا الحبّ الجارف من ضياء الدين ابنته ملالا للتمسّك بالحياة بعيد محاولة اغتيالها التي لم يكن أحد يتوقع نجاتها منها .
التجربة الثانية هي طفولة أنيس منصور والتي سرد مذكراتها في كتابه البقية في حياتي . أنيس منصور الكاتب الصحفي و الفيلسوف والأديب المصري. الذي أثرى المكتبات بمؤلفاته . سرد في كتابه هذا قصص طفولته وذكرياته مع والديه ورسم معالم شخصية والده التي ألقت بظلالها على الكثير من مفاصل حياته . فبتشجيع منه استطاع أن يحفظ القرآن في سن صغيرة ، وعشق القراءة وحفظ الأشعار منذ حداثة سنه ، ورغم أن هذا الأب لم يكن يقيم معهم نظرا لظروف عمله عند المأمور خارج القرية إلا أن تلك السويعات التي كان يقضيها مع أنيس كانت تصقل شخصيته وتثري معارفه وتنمي ذائقته وتمسح من عذابات أنيس مع أمّه المتسلطة والتي كانت تربّيه في أجواء الحماية الزائدة وتبعده عن الحياة بكل مفاصلها خشية أن يتراجع مستواه الأكاديمي إذ كان الأول في دراسته الثانوية على كل طلبة مصر.
كما حكى في مذكراته عن شخصية والده الذي كان يحظى بمكانة سامية عند أفراد قريته ، وكيف كان يأتي له محملا بالكتب التي قام بقراءتها ثم يبدأ يتداول معه الأشعار ويشرح مفرداتها ويصطحبه للمجالس الرجالية ويشجعه على إبداء رأيه والتعبير عن نفسه ويفتح له الآفاق لرسم مستقبله وما يودّ أن يكون عليه . كان والده الملجأ له حين يجد نفسه غريبا بين زملائه وهم يتهكّمون على تريديده للأشعار وحمله المستمر للكتب ويستنكرون بعده عنهم وعن اهتماماتهم  التي لا تخرج عن نطاق التسكّع في الشوارع ولعب كرة القدم .
كان والده يشجعه على تعلم اللغات والتعرف على مختلف الطوائف حتى مكنه ذلك من تعلم لغات عدة منها: الإنكليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية والفرنسية والروسية، وهو ما حفزه للإطلاع على ثقافات عديدة، ترجم عنها عددًا كبيرًا من الكتب الفكرية والمسرحيات، كما سافر إلى العديد من بلدان العالم، و ألف العديد من كتب الرحلات ما جعله أحد رواد هذا الأدب وأهله للحصول في حياته على الكثير من الجوائز الأدبية من مصر وخارجها .
" الأب " هو قاعدة الهرم في كل عائلة ، ليس فقط من منطلق القوة الجسدية، ولكن على المستوى العاطفي أيضا . في الآونة الأخيرة باتت الأم هي من تقوم بأعباء التربية والبيت نيابة عن نفسها وزوجها، فتتولى الأم جميع مسئوليات التربية والرعاية ، وبالنسبة لغالبية الآباء بقت أدوارهم محدودة جدا وبسيطة ولا تتعدى كونهم المصدر المالي لاحتياجات الأسرة وماكينة سحب النقود .
من خلال عملي الإرشادي المدرسي توصلت إلى قناعة تؤيدها الكثير من الدراسات أن الآباء الذين يمسكون بزمام التربية في المنزل ويكون لهم دورا فعالا في طفولة أبنائهم ، تقل مشكلات أطفالهم السلوكية والنفسية والاجتماعية فالأبناء الذين يستشعرون وجود الآباء معهم يتفوقون أكاديميا ويتميزون اجتماعيا عمن يفتقدون دور الأب .
من بين تلك الأدوار التي تلاشت للآباء في أسرهم الدور العاطفي في تعبير الأب عن مشاعره لأبنائه ، فيخبرهم بأنه يحبهم ويحضنهم ويقبلهم ويكون مصدر الحب والأمان للبيت كله . أيضا مشاركة الأطفال أوقاتهم قبل النوم فهذه الفترة التي يكون فيها العقل اللاواعي مستعدا للبرمجة وبإمكان الأب مشاركة الأم هذه الأوقات في سرد القصص للأطفال فهذا السلوك يؤسس لعلاقة وثيقة بين الأب والأبناء تدوم طيلة العمر . كذلك مشاركة الأبناء وجباتهم اليومية و وقت المائدة هذه الأوقات التي يتواجد فيها الأب تنمي لدي الطفل شعوره بالانتماء لأسرته وإحساسه بالأمان في بيته . كما أن الكثير من الآباء عزفوا عن قضاء وقت يومي مشترك مع الآبناء يؤدون من خلاله أنشطة مختلفة ويولّد لدى الأطفال أهميتهم في حياة أبيهم الذي رغم انشغالاته اقتطع وقتا خاصا ليغسل روتين الحياة القاتل ويمسح عن جبينه غبار يوم شاق ويفرش معهم بساط الأحلام والأمنيات ..!
ومن المظاهر الهامة لعزوف الآباء عن أدوارهم التربوية هو عدم مشاركتهم في أي برامج أو دورات تدريبية تربوية أو قراءة الكتب التربوية التي تقدم بعض المهارات الأسرية الهامة في التعامل مع الأطفال والمراهقين . ونحن في هذه الألفية نلحظ تنامي الاضطرابات النفسية والسلوكية وظهور تصنيفات جديدة واستراتيجيات علاج جديدة في علم التربية بلا شك إن هذه تستلزم البحث والتدريب المستمر لمعرفة كيفية التعامل مع أطفال العالم الرقمي وهذا لن يتأتى ما لم يضع الأب على رأس أولوياته واهتماماته الدور التربوي في أسرته .
وأيا كانت ظروف عمل الأب التي تمنعه من الحضور جسديا بصورة مكثفة مع الأبناء ، فإن الغياب في الحضور هو أشد وطأة في نفس الأبناء من غياب الغائب . فإذا ما أثرى الأب هذا الوقت القصير مع أبنائه باللعب معهم وتبادل الاهتمامات المشتركة فلن يكون الوقت هو معيار النجاح في دوره التربوي .
فيا آباء ...
افتحوا أذرعكم لأطفالكم ، قبلوهم وأجلسوهم في أحضانكم واسمعوا حكاياتهم اليومية وتعرفوا على أصدقائهم وشاركوهم دروسهم وأحلامهم المستقبلية ، تعرفوا على تفاصيل حياتهم ، واختاروا لهم ملابسهم وأحذيتهم ، واشعلوا معهم شموع أعياد ميلادهم ، وصفقوا معهم في حفلات تفوقهم ، وامسحوا دمعات اخفاقهم ، فإن هذه اللحظات هي التي تبقى في ذاكرتهم للأبد ... وهي التي تشعرهم بالأمان لبناء تقدير ذات عالي ومفهوم ذات إيجابي لتصنع منهم ملالا المناضلة.. أو أنيس منصور الفيلسوف !


«لا شىء في الطفولة مهم بقدر الحاجة للشعور بحماية الأب» - سيجموند فرويد

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

مدريدي أو برشلوني !



بقلم : انتصار رضي / أغسطس 2015
ذهبت مع أبنائي للتسوق و شراء احتياجاتهم المدرسية لبدء العام الدراسي الجديد هناك فاجأني طفلي محمد 4 سنوات حينما حملت حقيبة ريال مدريد وقلت له مبتسمة هل تريد هذه الحقيبة ؟ لعلمي بقناعته بأنه من مشجعي هذا الفريق همس في أذني متسائلا ببراءة وخوف : كيف أشتري حقيبة ريال مدريد وأصدقائي  في المدرسة يشجعون برشلونه ؟ لم يكن هذا الموقف الأول الذي أواجهه مع أبنائي في قلقهم من التعبير عن خياراتهم ، فقد سبق أن جاء طفلي علي يوما باكيا في الصف الأول بسبب سخرية زملائه منه حين تعرض فريق برشلونه لخسارة فادحة ! وما يتبع ذلك من استهزاء واستقواء على من يختلف عن المجموعة ! وهو ما دفعني للبحث كثيرا في كيفية علاج هذه المشكلة .
لازلت أذكر أهم بروتوكولات التنمّر المدرسي عندما كنت في الصف الأول الابتدائي ، والذي يفضي إلى مضايقة مجموعة من الطلاب معنويا بالإغاظة والتهكّم وإلقاء الألقاب على سبيل الإستهزاء، عبر التحشيد الذي يقوم به طلبة فرقة معينة في مسيرات طفولية تندد بفرق أخرى من الطلاب وينادون فيها بشعارات تستهزئ بفصول أخرى ليس لسبب يذكر سوى أن هؤلاء من فرقة " أ " وأولئك من فرقة " ب " !!!  . الآن أجد تلك الشعارات مضحكة جدا ، لكنها كانت مرعبة إلى حد ما بالنسبة لي في طفولتي ، باعتباري من فئة المسالمات وقتئذ ممن لا ناقة لهن ولا جمل . و عادة ما كان يقوم بترديد الشعار "عنتر القاووش" الذي يحمل على أكتاف طلاب لا يعرفون معنى هذا الشعار ولماذا هم يرددونه ولأية غاية ، الشيء الوحيد المعلوم أننا نختلف في حروف فصولنا أ ، ب ، جـ .  طبعا هذا أحد أساليب التنمّر التي كانت تتوارث عبر الأجيال من عام لآخر قبيل أن تبدأ المدارس بالقضاء على هذه الظاهرة في مدارس البنين والبنات ، أو ربما الأصح تتبدّل مظاهر التنمّر عبر الزمن بما يتلاءم مع عصر الديجيتل  من خلال رسائل قدح وذم عبر البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي !
مازلت مشكلة التنمّر أكبر  مشكلة تواجه المجتمع المدرسي في جميع المراحل على اختلاف البيئات الثقافية ففي أحدث احصائيات أجرتها وزارة العدل، قسم الصحة و خدمات الانسان الأمريكي، مركز دراسات البلطجة الالكترونية لعامي  2011 و 2012 أن نسبة الطلبة اللي بلغوا أنهم تعرضوا ا لبلطجة في المدارس: 37% ولعل هذا الرقم يتضاعف مع الحالات التي لا تجرؤ على التبليغ .
بغض النظر عن الممارسات التي تعتبر تنمرا أو مدى شيوع التنمر وما هي أضراره الجسدية والنفسية ، أحببت أن ألقي الضوء على زاوية هامة جدا وهي كيف نربي طفلا لا يكون ضحية من ضحايا التنمّر !
من خلال خبرتي في العمل المدرسي فإن أغلب حالات التنمر وسلوك البلطجة في المدارس يبدأ من تأثير الأقران والمرء على دين خليله . ومن خلال دراسة الحالة للكثير من الطلاب الذين يتنمرون  يتبين أنهم في الغالب ممن كانوا ضحايا تنمر من جهة أو ممن يتنمرون خوفا من الإقصاء من جماعات الأصدقاء من جهة أخرى ! وفي الحالتين فإن العامل المشترك هو ضعف توكيد الذات ! وتوكيد الذات باختصار شديد هو : أن تحترم ذاتك ، وتعبر عن نفسك وأفكارك ومشاعرك ومعتقداتك بطريقة مناسبة دون قلق .
مهارات توكيد الذات من الضرورات في التربية فهي تعزز عند الأبناء قيمتهم الذاتية وتساعدهم في التعامل مع الضغوطات والاستقواء من قبل المتنمّرين ، وتلعب هذه المهارات دورا هاما في تقدير الأفراد لذواتهم وإعطائهم الحق في التعبير عن خياراتهم وتوجهاتهم واختلافاتهم بحرية مطلقة.
أحد أهم أسباب ضعف توكيد الذات هو الخلط بين توكيد الذات والسلوك السلبي ، ففي ثقافتنا العربية لازال الكثير من مهارات توكيد الذات يعنون بالغرور أو التعالي أو حب الذات ، وهذه الثقافة السلبية تفضي بلاشك  إلى عجز الطلاب عن وضع حدود بينهم وبين الآخرين وقد يتمثل هذا بصورة بارزة في خوفهم من قول "لا" للآخرين ولمطالبهم المستمرة وغير المبررة التي تؤدي بالنتيجة لجعل الطالب ضحية للاستقواء .
ضعف توكيد الذات  يبدأ من أسلوب الرعاية الوالدية ، كنت قبل 12 عاما أدرس حالة طفل لدي في الصف الأول يتعرض للاستقواء بشكل يومي من قبل زملائه الطلبة و رغم كل جهودي في علاج الحالة إلا أن معاناته ظلت قائمة . وكانت تلك الاعتداءات المتكررة تؤدي به إلى الغياب المتكرر دون عذر ، المعاناة في صمت ، التأخر الدراسي ، تأجيل الأعمال ونسيانها .. وهي كلها طرق تعبر عن محاولات العقل الباطن للإحتجاج على الوضع القائم ولكنها تبقى طرق غير ناضجة ..غادرت المدرسة لتحضير الدكتوراه وحين عدت إليها كان هذا الطالب في المرحلة الإعدادية ، وكان يعاني حينها من إجبار والديه له في اختيار مساقات التخصص الأكاديمي التي تخدم تخصصه الجامعي الذي أختاره له والداه خلافا لرغبته الشخصية ! أدركت حينها أن الإستقواء يبدأ من البيت .فإن كنا بشكل مستمر نرفض طلبات وخيارات أبنائنا فسنحكم عليهم طوال حياتهم البقاء رهنا لأولويات الآخرين بدلاً من احتياجاتهم وهذا سيجعلهم لقمة سائغة للمتنمّرين وضحية أولى لكل أساليب الاستقواء.
طبعا يتبع هذا الخلط شيوع الكثير من الاعتقادات الخاطئة التي بحاجة إلى تصحيح والتي تدفع بالإنسان كثيرا للفشل في تقبل حقوقه المشروعة . ومن تلك الحقوق المشروعة على سبيل المثال لا الحصر حقك في أن تعتبر نفسك الأول أحيانا ، حقك في أن تغير مسار تفكيرك عمليا ، حقك في أن تقاطع الآخرين من أجل الاستيضاح والفهم ، حقك في أن تخطئ في أن تشعر بالألم وتعبر عن هذا الألم ، حقك في أن تتجاهل نصيحة الآخرين ولا تأخذ بها ، حقك في أن تقول لا دون حاجة إلى تبرير تلك الـ لا ... إلخ .
أيضا أحد أهم أسباب ضعف توكيد الذات  التي تساهم في جعل الطالب ضحية للاستقواء هو القلق المفرط على مشاعر الآخرين ويتبع هذا الإكثار من الموافقة الظاهرية لقرارات الآخرين : مثل نعم، حاضر، أبشر.... الخ وتقديم الطالب شعور الآخرين على شعوره وحقوقه وكثرة الاعتذار للآخرين دون حاجة للإعتذار ومن ثم ضعف القدرة على التعبير عن المشاعر والرغبات والانفعالات وضعف القدرة على إظهار وجهة نظر تخالف أراء الآخرين ورغباتهم وعدم الحزم في اتخاذ القرارات والمضي فيها وتحمل تبعاتها وضعف التواصل البصري بدرجة كبيرة .
بالإضافة لتلك الأسباب فسلوك الإنقاذ السلبي الذي ينتشر بكثرة في الأوساط المدرسية يساهم في ضعف توكيد الذات ويهيئ الفرص للتنمّر ، وأعني به مساعدة الآخر الذي هو بغنى عن المساعدة وأن يضحي الفرد بحاجاته لصالح شخص آخر يستطيع أن يساعد نفسه ويشبع حاجاته . كما يفعل بعض الطلاب بتوزيع مصروفهم اليومي أو أدواتهم المدرسية لزملائهم الطلبة دون حاجة تذكر . ينتج هذا السلوك من عدم ثقة الفرد بنفسه، وشعوره بأنه اقل أهمية من الآخرين ، وهذا يقلل من إيمانه بقدراته وامكاناته، وأن تلك المساعدات تملأ بصورة لا شعورية نقص الثقة الذي يعانيه ، لكنه من جانب آخر يفتح أبواب الاستقواء عليه والتضحية به في حسابات المتنمّرين .
بلاشك فإن التنمّر قضية شائكة وأسبابها كثيرة قد يكون توكيد الذات أحد تلك الأسباب . أيا تعددت تلك الأسباب وتفرعت فهي تبدأ من أحضاننا . فبقدر ما نمنح أبناءنا في الأسرة من الحب والثقة ونساعدهم في تكوين مفهوم ذات إيجابي ومستويات عالية من تقدير الذات لديهم بقدر ما نجعلهم في مأمن من شراك التنمّر .

 نحن الآباء والأمهات من نكتب قدر أبنائنا في أن يكونوا من المستضعفين في زاوية ما من المدرسة مسلوبي المصروف اليومي و وجبة الفسحة والرأي والحق في الدفاع عن النفس .... أو أن يعبّروا عن أنفسهم ومشاعرهم وأفكارهم بحرية تامة ولا يخشون في تشجيع فريقهم الرياضي لومة لائم .. برشلونيين كانوا أم مدريديين.. !