light

light

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

الكذب المرضي


بقلم : انتصار رضي - أكتوبر ٢٠١٦

الكذب المرضي أو ما يسمى A pathological liar ويسمى أيضا Pseudologia fantastica حيث ينسج الشخص كذبة ويعيشها بحذافيرها ويوهم الآخرين أنها الحقيقة على الرغم من أنه يتحدث عن أمور خيالية يصعب تصديقها .
الكذب المرضي يعد أحد اضطرابات الشخصية إذ تجد أنه عادة ما يحدثك هؤلاء الأشخاص بأحاديث عن قدراتهم الخارقة أو علاقاتهم الاجتماعية بالمشاهير والمسؤولين مما ينافي ما هو على أرض الواقع ..... كطالب يرسب في كل مواده الجامعية لكنه يوهم الآخرين أنه الأول على دفعته ، أو مخرج أفلام يجلس معك ويدّعي أنه قد حصل على عروض خيالية من كبرى شركات الانتاج في هوليوود في حين أن أعماله لا تتعدى قناته في اليوتيوب !
أكثر الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة يتأقلمون معها و يعيشون حياتهم العادية و هم يمارسون الكذب على الآخرين، ولكن سرعان ما تنكشف كذباتهم، ويفقدون الكثير من علاقاتهم !!
علاج هذه الحالة عادة ما يكون عند clinical psychological specialist أخصائي نفسي سريري . طبعا من الصعب جدا أن تسحب هذا المضطرب من كذبته بسهولة ، سينكر أمام الجميع حفاظا على شخصيته التي اختلقها لهذا يكون مشوار علاج مثل هذه الحالات طويل ويستغرق وقتا لاقناع المضطرب بالخروج من هذا الجو الذي يعيش فيه وقد يتمنى الموت على أن  يعيش الحياة دون هذا الجانب المزيف من شخصيته !!! تماما مثل  Stu في الفيلم القديم Phone Booth !!

Phone Booth  
الفيلم الذي شاهدته مرارا وتكرارا... تدور كل أحداثه في كابينة هاتف عمومي مع الشاب Stu والذي يقوم بدوره الممثل Colin  Farrell وهو يشغل منصب مدير مجلة اعلانات يبدو للوهلة الأولى رجلا مهما ومديرا تنفيذيا لكبرى الشركات وهو يقطع الطرقات يحمل هواتفه المحمولة والاتصالات تنهال عليه من كل حدب وصوب هو ومدير أعماله ومعاونه الذي ينقل له طلبات الزبائن من الشركات والممثلين ورجال الأعمال !

بينما يبدأ Stu بإملاء دروسه على زميله في كيفية التعامل مع زبائنه وهو ينفخ صدره كرجل مهم له في مجال عمله خبرة واسعة .

حتى ينتهي الطريق بـه إلى كابينة الاتصال العمومي التي اعتاد أن يرتادها كل يوم في نفس الساعة ليجري مخابرته العاطفية مع عشيقته Pam ويتفق معها على موعد للقاء في أحد الفنادق . طبعا ستتعجب أن Stu الذي يحمل هواتفا نقالة يلجأ لهاتف عمومي ليجري مخابرة يومية !! لكن على مايبدو أنه كان يدفن أثر خيانته لزوجته Kelly التي يخشى أن تتعقب فاتورة هاتفه فتثير في نفسها شكوكا أو ظنونا . 

حتى هنا لاشيء يستدعي الإثارة فالخيانات في زماننا تعوي ، لكن القصة المثيرة بدأت منذ أن أغلق Stu سماعة الهاتف بعد أن قطع له موعدا مع عشيقته Pam فأعقب هذا رنين الهاتف . لم يترددStu في أن يرفع سماعة الهاتف ويرد على مكالمة لاتعنيه وهو متيقن أنها ليست له ، لكن الصوت الغليظ المنبعث من السماعة أكد له أن هذه المخابرة ليست من رجل غريب ! فكيف وقد عرف أن المتحدث هو رجل الاعلانات واسمه Stu وأكد له هذا ببعض المعلومات الشخصية الدقيقة جدا.

الشيء الجديد أن هذا الصوت الذي يختبئ خلفه مجرم لم يغامر في عمليته الإرهابية من أجل اختطاف أو ابتزاز أموال إنه فقط ينتظر اللحظة التي يجد فيها Stu وأمثاله يظهرون بحقيقتهم أمام الآخرين ويعلنون للملأ أن وجه الملائكة هذا يختبئ خلفه وحش كاسر .

إنك للوهلة الأولى ستشعر أن الفيلم الذي تدور كل أحداثه في كابينة اتصال قد يكون مملا بسبب ثبات عامل المكان ! لكن المثير أن هذه المحادثة كانت تختصر عمر Stu بكل كذباته وأخطائه وعيوبه لتجمع كل أماكنه وزمانه في لحظة اعتراف واحدة يواجه بها هذا العالم أجمع .

لم يكن أمام Stu بدّا من أن ينفذ كل أوامر الصوت الغليظ الذي يختبئ صاحبه خلف زجاح نافذة في احدى البنايات المجاورة وخلف جهاز مراقبة لكابينة الاتصال التي يقبع فيها فريسته ولهذا لم يكن يجرؤ أن يخالف أوامره التي يمليها عليه وإلا كان نصيبه طلقة نارية ببندقية كاتمة للصوت فيموت دون أن يعرف أحدا بموته ولربما لن ينعى خبره في مجلته إلا تحت عنوان موت في ظروف غامضة !

ربما لو طلب الصوت 10000 دولار لكان أهون علىStu من أن يجبره أن يواجه مرآة نفسه أمام شاشات التلفزة والمحطات الفضائية وطاقم الشرطة والمخابرات وزوجته Kelly وعشيقته Pam وكل من حضر بعد أن شاهد صورته محبوسا في كابينة الاتصال يرفض الخروج منها تحت إلحاح رجل مفتول العضلات لم يكن من نصيبه سوى طلقة كاتمة ببندقية المجرم وجهت الأصباع لـ Stu وحده في اطلاقها .

لكن Stu بقي بين فكي كماشة يعترف أو تقتل زوجته أو عشيقته ، فما كان منه إلا أن مدّ وجهه المحمر خجلا والدم يسيل من احدى أذنيه صارخا بصوت متقطع مشبع بالندم إلى زوجته التي احتقنت أوردتها بالدم الحار وتجمدت كل أوصالها خوفا عليه :

Kelly لست ذلك الوفي الذي تعتقدينه انا أخونك كل يوم مع عشيقتي Pam التي تقف هنا في أحد الفنادق ، آتي إليها كل يوم في هذه الكابينة لأتصل وأبثها شوقي وحبي ثم أعود البيت وفاتورة هاتفي خالية من رقمها حتى لا تتعقبين مصدر الاتصال . أنا لست ذلك الرجل المهم الذي تظنين كل هذه الهالة للرجل المحترم بي مزيفة ، ساعتي السويسرية مزيفة ، وبدلتي التي أرتديها ليست إلا لجذب الانتباه وحذائي الايطالي وكل شيء .. أنها لست ذلك الانسان الناجح الذي تظنين كنت أخدعك طويلا وأخدعPam بأنني لست متزوجا ماذا أقول لك هذه الحقيقة ..أنا آسف !

الآن أيها الموت تعال سريعا لاحاجة لي للحياة وقد فقدت الصورة المزيفة التي كانت تجعلني أتنفس ...! هذا ماقالته تعابير وجه Stu وهو يعيد وجهه لداخل الكابينة ويكمل المخابرة باكيا متألما .. بينما يضحك المجرم الذي التذ بسماع صوتStu مرتجفا باعترافاته أمام كل القنوات الفضائية والجموع الحاشدة .

لابد كالعادة أن تظهر الأفلام ذكاء الـ FBI الذين استطاعوا معرفة أن Stu يقبع في الكابينة خوفا من مجرم يختبئ في احدى البنايات المجاورة يملي عليه أوامره تحت مقصلة البندقية الكاتمة للصوت .

لكن الوقت الذي اقتحمت فيه قوات الشرطة البناية التي ظنوا أن المجرم يختبئ بها كان نفس الوقت الذي انهار فيه Stu وخرج من حبسه رافعا يديه إلى السماء صارخا بكل قوته : اقتلني ..
نجى Stu بفضل ذكاء رجال الشرطة الذين أوهموا المجرم بموته بعد أن صوبوه بطلقة مطاطية أسقطته أرضا .
وهذا تحديدا ما يتمناه المصاب بهذا الاضطراب بعد أن يجبر على مواجهة الواقع الذي بناه في مخيلته بالصورة التي يألفها ويتمناها .
 





الخميس، 29 أكتوبر، 2015

ضع نفسك مكاني



بقلم انتصار رضي / أكتوبر 2015

قبل أيام أعلن مارك زوكربيرج رجل الأعمال والمبرمج الأميركي، مؤسس موقع الفيس بوك الاجتماعي عن منح موظفيه خدمة اتصال بطيء بالإنترنت كل يوم ثلاثاء، وذلك من أجل مساعدتهم على استيعاب احتياجات المستخدمين في الدول النامية. ونقلت العديد من الوكالات الأخبارية والمجلات والصحف  عن زوكربيرج قوله أن من شأن المبادرة الجديدة التي أطلق عليها اسم "2G Tuesdays" أن توفر اتصال من الجيل الثاني البطيء للغاية بالمقارنة مع السرعة التي يوفرها الجيل الثالث والرابع وذلك بعد أن عكفت الشركة على تعديل فيسبوك وجعله أكثر ملاءمة للشبكات البطيئة، كتلك الموجودة في دول مثل كينيا والهند . وتقوم الشركة في صباح كل يوم ثلاثاء بتوجيه رسالة لجميع موظفي فيسبوك لحثهم على تجربة الاتصال البطيء بالإنترنت لمدة ساعة على الأقل، وهي تجربة ستساعدهم على تحديد الأقسام التي تحتاج إلى تطوير في الموقع وتطبيقاته.
يذكرني هذا بإحدى أدوات حل المشكلات وهي من التقنيات التي تؤكد عليها البرمجة اللغوية العصبية NLP " تقنية مواقع الإدراك "  . تنطلق هذه التقنية من قاعدة أن اتصال الأفراد ببعضهم البعض يتفاوت بين الإيجابية والسلبية نظرا لتباين مواقع الإدراك فيما بينهم . وتهدف هذه التقنية إلى توسعة مداركنا لأمور كثيرة قد لا نستطيع إدراكها ونحن ننظر للمواقف التي نمر بها من زاوية ذاتية لا موضوعية !
يرى الـ NLP أن هذه التقنية تساعد الأفراد على تحقيق اتصال ايجابي فعال وأنها تساهم في عمليات جمع المعلومات بصورة واضحة ، مما يؤدي إلى الإحساس وفهم وجهات نظر الآخرين واستيعاب نقدهم وتحمل آراءهم  . وتؤكد هذه التقنية في حل المشكلات عن طريق ثلاثة مواقع يتقمص دورها الفرد نفسه :
أولا : موقع الذات التي تعكس وجهة نظر الشخص فيرى بعينيه المواقف التي تواجهه ويصف أحاسيسه في هذه الحالة  ، والفرد في هذا الموقع يكون في منطقة اللاوعي فقط فهو يشعر بنفسه لكنه لا يرى ولا يسمع نفسه .
ثانيا : موقع الآخر والذي يعكس وجهة نظر الشخص الأخر فينتقل ليرى بعيني الآخر ويصف رأي الآخر  ، هنا ينتقل الفرد بين مرحلة الوعي واللاوعي حيث يشعر عن الذات يرى ويسمع الذات كما أنه ينتقل إلى الآخر يرى نفسه يتخيلها ويعرف مواقف الآخرين تجاهه.
ثالثا : موقع المراقب إذ  يرى الفرد ما يجري بين الذات و الآخر، و يقرّب وجهات النظر و يجد الحلول المناسبة. في المراقب لدينا وعي فقط فالفرد لا يشعر بالذات ولا في الآخر بل يراهما ويسمعهما ، وهو الموقع الذي كثيرا ما يفض النزاع الدائر بين موقعي الذات والآخر.
تعتمد هذه المهارة بدرجة كبيرة على عملية التخيل وقد تتماس بدرجة قريبة أو بعيدة مع فنية لعب الدور في الإرشاد النفسي والتي سبقت تقنيات البرمجة اللغوية العصبية بكثير . و يعرف لعب الدور في معجم التراث الأمريكي قاموس اللغة الإنجليزية (2002) بأنه:  فنية إرشاد وعلاج نفسي تستهدف تخفيض الصراع المتضمن في المواقف الاجتماعية المختلفة، حيث يمثل أو يؤدي بموجبها المشاركون أدوارا سلوكية معينة لتوسيع وتعميق وعيهم بمختلف وجهات النظر.
سواء كانت في البرمجة أو في الإرشاد النفسي الهدف الأساسي تعديل سلوك وتحقيق اتصال ايجابي فعّال بين الأفراد . تخيلوا لو أننا فعّلنا هذه الفنية في أدوارنا في مختلف مكاناتنا الاجتماعية التي نشغلها كآباء وأمهات وأبناء وأصدقاء وموظفين ... ! كم من المشكلات نستطيع أن نتلافى وقوعها أو تضخمها !
من خلال عملي الإرشادي النفسي والأسري خلال سنوات خلت كانت كثير من المشكلات التي تعبر في ملفاتي تنطلق من تربص الأفراد بمواقع الذات دون تفهم الآخر .. فالأب لا يستطيع أن يعيش شعور المراهق .. والمراهق لا يقدّر مخاوف الأب .. والأم لا تشعر بالطفل لذا لا تتفهم أسباب عناده .. والزوجة لا تعيش في حذاء الزوج ! والمدير لا يتفهم مشاعر موظفيه والموظف لا يدرك ما يفكر فيه مديره من موقعه ، الخادمة وربة البيت ، الطبيب والمريض ، البائع والمشتري ... وهكذا تكون النتيجة فشل عمليات الاتصال بين الأفراد في حين أن الدراسات تؤكد على  85 % من نجاح الفرد  في حياته مرتبط بتمكنه من مهارات الاتصال الفعال و15 % منه فقط تعزى إلى إتقان مهارات أخرى!
بلا شك تحتاج هذه التقنية الوقت اليسير من عمليات التفكير قبل تبيان ردود الأفعال ، لكن التحدي الأكبر اليوم هو عنصر الوقت ...!  من تلك التحديات شبكات التواصل الاجتماعي اليوم  التي احتلت المرتبة الأولى للتواصل في عالمنا الرقمي وباتت لا تتيح للأفراد فرص كافية من التفكير والتخيل للانتقال بين مواقع الإدراك الثلاثة في حل المشكلات .
فالتواصل المباشر سابقا كان يتيح مجال لسماع الآخر والشعور بأحاسيسه وتقبل أفكاره ومناقشته ، أما اليوم مع امكانية النشر المتاحة في صفحات التواصل الاجتماعي سنحت للأفراد فرص التعبير التلقائي السريع عن أفكارهم ، وانفعالاتهم ، ومشاعرهم دون انتقال في تلك المواقع وهو ما انسحب أثره إلى التواصل الواقعي في حياتنا في أسرنا في جماعات العمل والأصدقاء  .
 ولعل هذه التلقائية تفسّر ما كشفت عنه دراسة حديثة  لشركة، هيثر آرمسترونغ أن النشاط الدماغي لدى مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة "تويتر" يرتفع عند نشرهم تغريدات جديدة وذلك في مناطق دماغية مسئولة عن التهيج العاطفي والذاكرة والمشاعر وهذه نفس المناطق التي تتحفز في عمليات الهجوم والدفاع ولحظات الإثارة الجنسية ، مما يعكس معدل الاندفاعية العالي أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومن البديهي في هذه الحالة أن تنتفي فرص الموضوعية في التعبير عن بعض الآراء ...!
بالمقابل ونتيجة لاتساع هذه المساحة الشاسعة في حياتنا الرقمية ، تصدرت الأسر الصامتة في مجتمعاتنا فلا مكان للحوار والتشاور المباشر وجها لوجه ، وهو  ما ساهم بشكل كبير في ضبابية المعلومات التي ترتبط بموقع الآخر .. بل وأحيانا جهل الفرد بمعلومات ترتبط بذاته عوضا عن معرفته للآخر ! 
 اليوم شبكة الفيس بوك تتصدر كأكبر وأوسع شبكة تواصل في العالم إذ ترى مجلة التايم أن زوكربيرغ ساهم بتأسيسه "فيس بوك" في تغيير حياة مئات ملايين البشر والمجتمع بالكامل. وأفاد مدير تحرير "تايم"، ريتشارد ستينغل إن عدد مشتركي "فيس بوك" وصل إلى 500 مليون شخص وقد ساهم الموقع في ربطهم ببعضهم البعض... !
في الوقت الذي تكون فيه شركة الفيس بوك في حذاء 500 مليون مستخدم لشركتها لتطوير خدمات التواصل بينهم .. يبدو أنه من اليسير لنا أن نكون في أحذية من هم أقرب إلينا .. وسط جدران منازلنا .. ! 



الخميس، 8 أكتوبر، 2015

الأب المفقود


بقلم : انتصار رضي / أكتوبر 2015
قرأت مؤخرا تجربتين بينهما بعض العوامل المشتركة التي أوصلتهما للنجاح ، الأولى سيرة ملالا يوسفزاي الفتاة الباكستانية التي ناضلت من أجل حق التعليم وحاول الطالبان قتلها ونجت بأعجوبة بعد أن أجريت لها عدة عمليات جراحية. وقد أصبحت ملالا رمزا عالميا للسلام والنضال السلمي وأصغر مرشحة لنيل جائزة نوبل للسلام . ملالا التي ولدت في قبائل البشتون الذكورية المتعصبة وسط وادي سوات باكستان الذي تحيط بهالجبال الشاهقة، والسهول الخضراء، والبحيرات التي تتميز بصفاء مياهها إذ تعد هذه المقاطعة من مناطق الجمال الطبيعي الخلابة، ومقصدا للسياح حتى عهد قريب .
تقول ملالا " عندما ولدت أشفق الناس في قريتنا على أمي فيما لم يهنئ أحد أبي ، ولدتُ أنثى في أرض تطلق الرصاص ابتهاجا بمولد الذكور ، أما البنات فيوارين عن الأنظار وراء الحجب ، فدورهن في الحياة لا يتعدى إعداد الطعام وإنجاب الأطفال " .
لكن والدها ضياء الدين الذي يلعب دورا محوريا في كل سيرتها لم يكل ككل البشتونيين الذين يحتفون بمولد الذكور فقط ، فقد آثر أن يحتفي بها في ولادتها ويقيم الطقوس التي تقام للذكور فقط ويباهي بها أمام الناس غير عابئ لشفقتهم به .
ضياء الدين أو " الصقر " كما تلقبه ملالا  ، مثقف وشاعر ورجل يملك رؤية شخصية استطاع بإصرار وعزيمة أن يترجمها على أرض الواقع في محلّ اقامته وادي سوات حيث عدّ من روّاد مسيرة التعليم ، وناضل من أجل افتتاح مدرسته وتوسيعها وسط مجتمع قبلي في بداياته وطالباني في أواخره . من يتتبع سيرة ملالا سيجد بروز ضياء الدين في كل مفاصل حياتها ونجاحها بدءا من بناء مفهوم الذات لديها فذلك التكوين المعرفي المنظم للمدركات الشعورية والتطورات والتقييمات الخاصة عند ملالا  والتي تبلورت في تعريف نفسي رسمته لذاتها واستطاعت أن تصل إليه هو من صنع ضياء الدين بالدرجة الأولى  ، بدءا من اختيار اسمها ملالا تيمنا بـ ملالاي مايواند البطلة الأفغانية ، وإلى طفولتها التي عززها بالعبارات الإيجابية ويؤكد فيها على أنها ستكون فتاة استثنائية وعلامة فارقة على مستوى العالم . كان أول من يصفق لها في انجازاتها ويدربها على الخطابة والوقوف على المنصات ويجتهد في حفظها للأشعار وتحفيزها للقراءة وتعلـّم اللغات . في ذلك الكتاب ستجد كيف قاد هذا الحبّ الجارف من ضياء الدين ابنته ملالا للتمسّك بالحياة بعيد محاولة اغتيالها التي لم يكن أحد يتوقع نجاتها منها .
التجربة الثانية هي طفولة أنيس منصور والتي سرد مذكراتها في كتابه البقية في حياتي . أنيس منصور الكاتب الصحفي و الفيلسوف والأديب المصري. الذي أثرى المكتبات بمؤلفاته . سرد في كتابه هذا قصص طفولته وذكرياته مع والديه ورسم معالم شخصية والده التي ألقت بظلالها على الكثير من مفاصل حياته . فبتشجيع منه استطاع أن يحفظ القرآن في سن صغيرة ، وعشق القراءة وحفظ الأشعار منذ حداثة سنه ، ورغم أن هذا الأب لم يكن يقيم معهم نظرا لظروف عمله عند المأمور خارج القرية إلا أن تلك السويعات التي كان يقضيها مع أنيس كانت تصقل شخصيته وتثري معارفه وتنمي ذائقته وتمسح من عذابات أنيس مع أمّه المتسلطة والتي كانت تربّيه في أجواء الحماية الزائدة وتبعده عن الحياة بكل مفاصلها خشية أن يتراجع مستواه الأكاديمي إذ كان الأول في دراسته الثانوية على كل طلبة مصر.
كما حكى في مذكراته عن شخصية والده الذي كان يحظى بمكانة سامية عند أفراد قريته ، وكيف كان يأتي له محملا بالكتب التي قام بقراءتها ثم يبدأ يتداول معه الأشعار ويشرح مفرداتها ويصطحبه للمجالس الرجالية ويشجعه على إبداء رأيه والتعبير عن نفسه ويفتح له الآفاق لرسم مستقبله وما يودّ أن يكون عليه . كان والده الملجأ له حين يجد نفسه غريبا بين زملائه وهم يتهكّمون على تريديده للأشعار وحمله المستمر للكتب ويستنكرون بعده عنهم وعن اهتماماتهم  التي لا تخرج عن نطاق التسكّع في الشوارع ولعب كرة القدم .
كان والده يشجعه على تعلم اللغات والتعرف على مختلف الطوائف حتى مكنه ذلك من تعلم لغات عدة منها: الإنكليزية والألمانية والإيطالية واللاتينية والفرنسية والروسية، وهو ما حفزه للإطلاع على ثقافات عديدة، ترجم عنها عددًا كبيرًا من الكتب الفكرية والمسرحيات، كما سافر إلى العديد من بلدان العالم، و ألف العديد من كتب الرحلات ما جعله أحد رواد هذا الأدب وأهله للحصول في حياته على الكثير من الجوائز الأدبية من مصر وخارجها .
" الأب " هو قاعدة الهرم في كل عائلة ، ليس فقط من منطلق القوة الجسدية، ولكن على المستوى العاطفي أيضا . في الآونة الأخيرة باتت الأم هي من تقوم بأعباء التربية والبيت نيابة عن نفسها وزوجها، فتتولى الأم جميع مسئوليات التربية والرعاية ، وبالنسبة لغالبية الآباء بقت أدوارهم محدودة جدا وبسيطة ولا تتعدى كونهم المصدر المالي لاحتياجات الأسرة وماكينة سحب النقود .
من خلال عملي الإرشادي المدرسي توصلت إلى قناعة تؤيدها الكثير من الدراسات أن الآباء الذين يمسكون بزمام التربية في المنزل ويكون لهم دورا فعالا في طفولة أبنائهم ، تقل مشكلات أطفالهم السلوكية والنفسية والاجتماعية فالأبناء الذين يستشعرون وجود الآباء معهم يتفوقون أكاديميا ويتميزون اجتماعيا عمن يفتقدون دور الأب .
من بين تلك الأدوار التي تلاشت للآباء في أسرهم الدور العاطفي في تعبير الأب عن مشاعره لأبنائه ، فيخبرهم بأنه يحبهم ويحضنهم ويقبلهم ويكون مصدر الحب والأمان للبيت كله . أيضا مشاركة الأطفال أوقاتهم قبل النوم فهذه الفترة التي يكون فيها العقل اللاواعي مستعدا للبرمجة وبإمكان الأب مشاركة الأم هذه الأوقات في سرد القصص للأطفال فهذا السلوك يؤسس لعلاقة وثيقة بين الأب والأبناء تدوم طيلة العمر . كذلك مشاركة الأبناء وجباتهم اليومية و وقت المائدة هذه الأوقات التي يتواجد فيها الأب تنمي لدي الطفل شعوره بالانتماء لأسرته وإحساسه بالأمان في بيته . كما أن الكثير من الآباء عزفوا عن قضاء وقت يومي مشترك مع الآبناء يؤدون من خلاله أنشطة مختلفة ويولّد لدى الأطفال أهميتهم في حياة أبيهم الذي رغم انشغالاته اقتطع وقتا خاصا ليغسل روتين الحياة القاتل ويمسح عن جبينه غبار يوم شاق ويفرش معهم بساط الأحلام والأمنيات ..!
ومن المظاهر الهامة لعزوف الآباء عن أدوارهم التربوية هو عدم مشاركتهم في أي برامج أو دورات تدريبية تربوية أو قراءة الكتب التربوية التي تقدم بعض المهارات الأسرية الهامة في التعامل مع الأطفال والمراهقين . ونحن في هذه الألفية نلحظ تنامي الاضطرابات النفسية والسلوكية وظهور تصنيفات جديدة واستراتيجيات علاج جديدة في علم التربية بلا شك إن هذه تستلزم البحث والتدريب المستمر لمعرفة كيفية التعامل مع أطفال العالم الرقمي وهذا لن يتأتى ما لم يضع الأب على رأس أولوياته واهتماماته الدور التربوي في أسرته .
وأيا كانت ظروف عمل الأب التي تمنعه من الحضور جسديا بصورة مكثفة مع الأبناء ، فإن الغياب في الحضور هو أشد وطأة في نفس الأبناء من غياب الغائب . فإذا ما أثرى الأب هذا الوقت القصير مع أبنائه باللعب معهم وتبادل الاهتمامات المشتركة فلن يكون الوقت هو معيار النجاح في دوره التربوي .
فيا آباء ...
افتحوا أذرعكم لأطفالكم ، قبلوهم وأجلسوهم في أحضانكم واسمعوا حكاياتهم اليومية وتعرفوا على أصدقائهم وشاركوهم دروسهم وأحلامهم المستقبلية ، تعرفوا على تفاصيل حياتهم ، واختاروا لهم ملابسهم وأحذيتهم ، واشعلوا معهم شموع أعياد ميلادهم ، وصفقوا معهم في حفلات تفوقهم ، وامسحوا دمعات اخفاقهم ، فإن هذه اللحظات هي التي تبقى في ذاكرتهم للأبد ... وهي التي تشعرهم بالأمان لبناء تقدير ذات عالي ومفهوم ذات إيجابي لتصنع منهم ملالا المناضلة.. أو أنيس منصور الفيلسوف !


«لا شىء في الطفولة مهم بقدر الحاجة للشعور بحماية الأب» - سيجموند فرويد

الثلاثاء، 1 سبتمبر، 2015

مدريدي أو برشلوني !



بقلم : انتصار رضي / أغسطس 2015
ذهبت مع أبنائي للتسوق و شراء احتياجاتهم المدرسية لبدء العام الدراسي الجديد هناك فاجأني طفلي محمد 4 سنوات حينما حملت حقيبة ريال مدريد وقلت له مبتسمة هل تريد هذه الحقيبة ؟ لعلمي بقناعته بأنه من مشجعي هذا الفريق همس في أذني متسائلا ببراءة وخوف : كيف أشتري حقيبة ريال مدريد وأصدقائي  في المدرسة يشجعون برشلونه ؟ لم يكن هذا الموقف الأول الذي أواجهه مع أبنائي في قلقهم من التعبير عن خياراتهم ، فقد سبق أن جاء طفلي علي يوما باكيا في الصف الأول بسبب سخرية زملائه منه حين تعرض فريق برشلونه لخسارة فادحة ! وما يتبع ذلك من استهزاء واستقواء على من يختلف عن المجموعة ! وهو ما دفعني للبحث كثيرا في كيفية علاج هذه المشكلة .
لازلت أذكر أهم بروتوكولات التنمّر المدرسي عندما كنت في الصف الأول الابتدائي ، والذي يفضي إلى مضايقة مجموعة من الطلاب معنويا بالإغاظة والتهكّم وإلقاء الألقاب على سبيل الإستهزاء، عبر التحشيد الذي يقوم به طلبة فرقة معينة في مسيرات طفولية تندد بفرق أخرى من الطلاب وينادون فيها بشعارات تستهزئ بفصول أخرى ليس لسبب يذكر سوى أن هؤلاء من فرقة " أ " وأولئك من فرقة " ب " !!!  . الآن أجد تلك الشعارات مضحكة جدا ، لكنها كانت مرعبة إلى حد ما بالنسبة لي في طفولتي ، باعتباري من فئة المسالمات وقتئذ ممن لا ناقة لهن ولا جمل . و عادة ما كان يقوم بترديد الشعار "عنتر القاووش" الذي يحمل على أكتاف طلاب لا يعرفون معنى هذا الشعار ولماذا هم يرددونه ولأية غاية ، الشيء الوحيد المعلوم أننا نختلف في حروف فصولنا أ ، ب ، جـ .  طبعا هذا أحد أساليب التنمّر التي كانت تتوارث عبر الأجيال من عام لآخر قبيل أن تبدأ المدارس بالقضاء على هذه الظاهرة في مدارس البنين والبنات ، أو ربما الأصح تتبدّل مظاهر التنمّر عبر الزمن بما يتلاءم مع عصر الديجيتل  من خلال رسائل قدح وذم عبر البريد الإلكتروني أو وسائل التواصل الاجتماعي !
مازلت مشكلة التنمّر أكبر  مشكلة تواجه المجتمع المدرسي في جميع المراحل على اختلاف البيئات الثقافية ففي أحدث احصائيات أجرتها وزارة العدل، قسم الصحة و خدمات الانسان الأمريكي، مركز دراسات البلطجة الالكترونية لعامي  2011 و 2012 أن نسبة الطلبة اللي بلغوا أنهم تعرضوا ا لبلطجة في المدارس: 37% ولعل هذا الرقم يتضاعف مع الحالات التي لا تجرؤ على التبليغ .
بغض النظر عن الممارسات التي تعتبر تنمرا أو مدى شيوع التنمر وما هي أضراره الجسدية والنفسية ، أحببت أن ألقي الضوء على زاوية هامة جدا وهي كيف نربي طفلا لا يكون ضحية من ضحايا التنمّر !
من خلال خبرتي في العمل المدرسي فإن أغلب حالات التنمر وسلوك البلطجة في المدارس يبدأ من تأثير الأقران والمرء على دين خليله . ومن خلال دراسة الحالة للكثير من الطلاب الذين يتنمرون  يتبين أنهم في الغالب ممن كانوا ضحايا تنمر من جهة أو ممن يتنمرون خوفا من الإقصاء من جماعات الأصدقاء من جهة أخرى ! وفي الحالتين فإن العامل المشترك هو ضعف توكيد الذات ! وتوكيد الذات باختصار شديد هو : أن تحترم ذاتك ، وتعبر عن نفسك وأفكارك ومشاعرك ومعتقداتك بطريقة مناسبة دون قلق .
مهارات توكيد الذات من الضرورات في التربية فهي تعزز عند الأبناء قيمتهم الذاتية وتساعدهم في التعامل مع الضغوطات والاستقواء من قبل المتنمّرين ، وتلعب هذه المهارات دورا هاما في تقدير الأفراد لذواتهم وإعطائهم الحق في التعبير عن خياراتهم وتوجهاتهم واختلافاتهم بحرية مطلقة.
أحد أهم أسباب ضعف توكيد الذات هو الخلط بين توكيد الذات والسلوك السلبي ، ففي ثقافتنا العربية لازال الكثير من مهارات توكيد الذات يعنون بالغرور أو التعالي أو حب الذات ، وهذه الثقافة السلبية تفضي بلاشك  إلى عجز الطلاب عن وضع حدود بينهم وبين الآخرين وقد يتمثل هذا بصورة بارزة في خوفهم من قول "لا" للآخرين ولمطالبهم المستمرة وغير المبررة التي تؤدي بالنتيجة لجعل الطالب ضحية للاستقواء .
ضعف توكيد الذات  يبدأ من أسلوب الرعاية الوالدية ، كنت قبل 12 عاما أدرس حالة طفل لدي في الصف الأول يتعرض للاستقواء بشكل يومي من قبل زملائه الطلبة و رغم كل جهودي في علاج الحالة إلا أن معاناته ظلت قائمة . وكانت تلك الاعتداءات المتكررة تؤدي به إلى الغياب المتكرر دون عذر ، المعاناة في صمت ، التأخر الدراسي ، تأجيل الأعمال ونسيانها .. وهي كلها طرق تعبر عن محاولات العقل الباطن للإحتجاج على الوضع القائم ولكنها تبقى طرق غير ناضجة ..غادرت المدرسة لتحضير الدكتوراه وحين عدت إليها كان هذا الطالب في المرحلة الإعدادية ، وكان يعاني حينها من إجبار والديه له في اختيار مساقات التخصص الأكاديمي التي تخدم تخصصه الجامعي الذي أختاره له والداه خلافا لرغبته الشخصية ! أدركت حينها أن الإستقواء يبدأ من البيت .فإن كنا بشكل مستمر نرفض طلبات وخيارات أبنائنا فسنحكم عليهم طوال حياتهم البقاء رهنا لأولويات الآخرين بدلاً من احتياجاتهم وهذا سيجعلهم لقمة سائغة للمتنمّرين وضحية أولى لكل أساليب الاستقواء.
طبعا يتبع هذا الخلط شيوع الكثير من الاعتقادات الخاطئة التي بحاجة إلى تصحيح والتي تدفع بالإنسان كثيرا للفشل في تقبل حقوقه المشروعة . ومن تلك الحقوق المشروعة على سبيل المثال لا الحصر حقك في أن تعتبر نفسك الأول أحيانا ، حقك في أن تغير مسار تفكيرك عمليا ، حقك في أن تقاطع الآخرين من أجل الاستيضاح والفهم ، حقك في أن تخطئ في أن تشعر بالألم وتعبر عن هذا الألم ، حقك في أن تتجاهل نصيحة الآخرين ولا تأخذ بها ، حقك في أن تقول لا دون حاجة إلى تبرير تلك الـ لا ... إلخ .
أيضا أحد أهم أسباب ضعف توكيد الذات  التي تساهم في جعل الطالب ضحية للاستقواء هو القلق المفرط على مشاعر الآخرين ويتبع هذا الإكثار من الموافقة الظاهرية لقرارات الآخرين : مثل نعم، حاضر، أبشر.... الخ وتقديم الطالب شعور الآخرين على شعوره وحقوقه وكثرة الاعتذار للآخرين دون حاجة للإعتذار ومن ثم ضعف القدرة على التعبير عن المشاعر والرغبات والانفعالات وضعف القدرة على إظهار وجهة نظر تخالف أراء الآخرين ورغباتهم وعدم الحزم في اتخاذ القرارات والمضي فيها وتحمل تبعاتها وضعف التواصل البصري بدرجة كبيرة .
بالإضافة لتلك الأسباب فسلوك الإنقاذ السلبي الذي ينتشر بكثرة في الأوساط المدرسية يساهم في ضعف توكيد الذات ويهيئ الفرص للتنمّر ، وأعني به مساعدة الآخر الذي هو بغنى عن المساعدة وأن يضحي الفرد بحاجاته لصالح شخص آخر يستطيع أن يساعد نفسه ويشبع حاجاته . كما يفعل بعض الطلاب بتوزيع مصروفهم اليومي أو أدواتهم المدرسية لزملائهم الطلبة دون حاجة تذكر . ينتج هذا السلوك من عدم ثقة الفرد بنفسه، وشعوره بأنه اقل أهمية من الآخرين ، وهذا يقلل من إيمانه بقدراته وامكاناته، وأن تلك المساعدات تملأ بصورة لا شعورية نقص الثقة الذي يعانيه ، لكنه من جانب آخر يفتح أبواب الاستقواء عليه والتضحية به في حسابات المتنمّرين .
بلاشك فإن التنمّر قضية شائكة وأسبابها كثيرة قد يكون توكيد الذات أحد تلك الأسباب . أيا تعددت تلك الأسباب وتفرعت فهي تبدأ من أحضاننا . فبقدر ما نمنح أبناءنا في الأسرة من الحب والثقة ونساعدهم في تكوين مفهوم ذات إيجابي ومستويات عالية من تقدير الذات لديهم بقدر ما نجعلهم في مأمن من شراك التنمّر .

 نحن الآباء والأمهات من نكتب قدر أبنائنا في أن يكونوا من المستضعفين في زاوية ما من المدرسة مسلوبي المصروف اليومي و وجبة الفسحة والرأي والحق في الدفاع عن النفس .... أو أن يعبّروا عن أنفسهم ومشاعرهم وأفكارهم بحرية تامة ولا يخشون في تشجيع فريقهم الرياضي لومة لائم .. برشلونيين كانوا أم مدريديين.. !

الاثنين، 13 يوليو، 2015

تجربتي في التطهير التكنولوجي


بقلم : انتصار رضي / يوليو 2015

قرأت مؤخرا كتاب The Winter of our Disconnect لمؤلفته " سوزان ماوشات " حول قصتها كأم لمراهقات كن يعانين من "متلازمة مسك الهواتف باليد" منذ الصباح ودسها تحت الوسائد قبل النوم  ، قبل أن تعمل سوزان على مساعدتهم في تغيير نمط حياتهم ، بإطفاء أجهزتهم الرقمية لستة أشهر متتالية !!
كانت سوزان تستيقظ الساعة الثانية صباحا ، لتجد أصغر بناتها ملتصقة بالماك بوك الخاص بها وهي لا تزال مرتدية زيها المدرسي ! بحثت سوزان عن السبب الذي يدفع أبناءها وهم يلعبون ألعاب في الـ PC ألا يسمعون نداءاتها المتكررة لهم اضافة لتأثير ذلك على أوقاتهم العائلية الحميمية كأوقات الوجبات اليومية و التي باتت الأجهزة تشاركهم فيها .
 وفي لحظة حاسمة قررت سوزان مع أبنائها أن يوقفوا كل تلك الأسلحة الالكترونية لمدة ستة أشهر متتالية وينفصلوا عن كل المشتتات في العالم الرقمي ويلاحظوا التغييرات الجذرية في أنماط النوم ، مستويات الطاقة ، المزاج .
تقول سوزان ساعدتهم الستة أشهر تلك من دون شاشات ، على التواصل مرة أخرى مع الحياة نفسها ، وأصبحت الروابط بينهن أقوى كعائلة ودفعتهن للأمام ولأعلى كأفراد منتجين.
تقول : " ماوشات " في مقدمة إحدى اليوميات في اليوم الحادي عشر إنها الحادية عشرة مساء  تتحدث الفتيات ويقرأن على ضوء الشموع في غرفة نظيفة ، مليئة بالهواء ، وغير ملتصقات بالفيس بوك ، متناسيات كل ما يحدث حولهن .
وتتحدث أيضا حول أمسية قضوها في مشاهدة الصور القديمة المطبوعة وليست الاكترونية مما سمح لهن بالجلوس جنبا إلى جنب حيث يمررن الصور لبعضهن وقد صنع هذا طاقة مختلفة على حد قولها .
لوهلة حين قرأت هذا الكتاب ارتفع مستوى الدوبامين لدي مما يساعد على اتخاذ قرارات متسرعة وباندفاعية شديدة ، وقررت أن أعيش تجربة سوزان تلك، وتجربة الحياة بلا قنوات تواصل اجتماعي لمدة شهر .
 كنت أعتقد أن بإمكاني اتخاذ قراري هذا بسهولة أكثر من سوزان التي وجدت عقول مراهقاتها في بداية تلك التجربة  مقيدة بسلسلة ذرعها سبعون ذراعا ، لكني وللأسف وجدت أنني كنت ربما أسوء حظّا حين أحسست وكأني في صناديق مغلقة و بأبواب دخول فقط !! وأن هناك مردة يقفون على تلك الأبواب يرتدون زي العصر العثماني ويخفون حذائي مبتسمين يرددون :  دخول الانترنيت مش زي خروجه !
هل حقا نستطيع العيش بدون وسائل التواصل تلك ؟
كان ذلك السؤال يثير عندي اشتياق الباحث إلى النتيجة التي تمحو جهله في موضوع ما بالمعرفة  ولكن ليس أَيُّ معرفة ، وإنما المعرفة العلمية القائمة على المنهج السليم، والمستندة إلى العقل والمنطق والتجربة والبرهان .
ولأني أدّعي احترافيتي في مهارات الكورت ومهارات التفكير العليا فقد ألزمت نفسي بتحديد أهداف قصيرة المدى واستراتيجية لكل خطوة أخطوها . 
كانت القراءة الفاحصة لا المطالعة والتأليف ، على رأس أهدافي في تجربة "التطهير التكنولوجي" كما تسميه فرانسيس بووث في كتابها الرائع الذي أوصي بقراءته : (مصيدة التشتت وكيف تركز في فوضى العالم الرقمي) .
تذكرت حينها الشاعر والمترجم السعودي الشاب أحمد العلي الذي أصدر 12 كتابا ولم يتجاوز عمره 29 سنة !! وذلك بعد أن أغلق صفحاته الالكترونية ليتفرغ للتأليف والترجمة من نيويورك التي كان يحضّر فيها دراساته العليا .
 ولأن ذلك الفراغ الكبير الذي سببه غياب تلك القنوات في حياتي دفعني لمضاعفة حصتي اليومية في القراءة ، وجدت أنه باستطاعتي أن أقرأ ما لايقل عن مائة صفحة بشكل يومي دون توقف أو تشتت !
 التشتت الذي أعنيه والذي أشارت إليه "فرانسيس بووث" في كتابها مصيدة التشتت هو تأثير برامج التواصل والتنبيهات المتتالية في انتقال ما نقرأه من ذاكرتنا قصيرة المدى إلى ذاكرتنا طويلة المدى وتسهب بووث في شرح ذلك شرحا علميا مفصلا لا مجال لذكره في هذه العجالة .
لم يكن الوقت هو عنصر التحدي الوحيد في كمّية وجودة ما نقرأ ، بل ثقافة البرودكاست التي تشبع رغبتنا في القراءة كانت العامل الأخطر الذي توصلت إلى تأثيره السلبي في قراءتنا. فعلى مدار اليوم تنهال علينا الرسائل بمعنى أو بلا معنى ، ورغم ايماني بألا افراط ولا تفريط ، والبحث عن الفائدة وراء كل شيء ، إلا أن ما يحدث في تلك القنوات فاق الإفراط وتعدى حدود الاستفادة من مثل هذه البرامج ! وللأسف فإن الكثير من أوقاتنا تهدر في قراءة الرسائل الدينية التي تحوي أساليب غبية في طلب إعادة ارسالها ، والرسائل الاخبارية التي لا يعرف مصدرها ، والنكت والتعليقات المضحكة السخيفة ، ورسائل تنقل قصصا غرائبية لا يصدقها عاقل،  والأسوء من كل ذلك رسائل ينقلها المرسل وهو لا يفقه منها شيئا أو دون أن يفكر في أن يستفيد من قراءتها !
الهدف الثاني بعد القراءة هو التأمل في الذات .. فسابقا كنا نجد فرصة سانحة للتأمل في أنفسنا وأفكارنا قبل نشرها لمحدودية وصعوبة التواصل الاجتماعي مع جماعات مختلفة الأجناس والايديولوجيات ، لكن مع عصر الديجيتال باتت أول فكرة تلقائية تعبر أذهاننا تجد طريقها سريعا للنشر في صفحات الفيس بوك أو تغريدات التويتر !
 هل تساءلنا مرة كم من الوقت استغرقنا في التفكير في أفكارنا قبل نشرها الكترونيا ؟
 هذه العزلة تسمح لك بفرصة للتأمل بعد تعدد قراءاتك طبعا ، إضافة إلى أجواء التفكير البعيدة عن التوتر والسانحة للمزيد من الابداع وبالطبع هذا ما أثبتته الكثير من الأبحاث العلمية التي أجريت على أدمغة البشر وهم بمعزل عن التكنولوجيا.  وأبرزها تجربة مجموعة من علماء الأعصاب في عام 2010 والتي قادها "ستراير" الأستاذ في جامعة يوتا والذي يعتقد أن الكثير من الانتباه الرقمي يشعر الأشخاص بأنهم معتلّون نفسيا. وليعرف مدى صحة ذلك اصطحب معه ولمدة أربعة أيام مجموعة من علماء الأعصاب بدون هواتفهم المحمولة والانترنيت وبمرور الأيام اكتشفوا قدرتهم على التفكير في الكثير من الأفكار الخلاقة والابداعية والمزيد من الانتاجية وهم بين أحضان الطبيعة !
الهدف الثالث كان ينصب على تحديد إطار العلاقات فوجودك على قنوات التواصل الاجتماعي يعني للآخرين أنك متاحا في كل الأوقات وأنك في متناول الجميع . أعتقد أن هذا هو الهدف الأصعب فللوهلة الأولى ستجد هذا الاطار الواسع من العلاقات يصرّ أن يبقيك وسطه دون تنازل ، والسبب الأول لمقاومتهم لرغبتك هو نقص ثقة الأفراد بإمكانية مواجهتك بمفردك لجبروت هذا العالم الرقمي الشاسع !! تذكرت حينها تجربتي في إرشاد المدمنين في وحدة المؤيد بمستشفى الطب النفسي يوم أن قال لي أحد المدمنين المشكلة الأخطر التي تواجهنا في التعافي من إدمان المخدرات هي حين يوهمنا من معنا من المدمنين بأننا فقدنا خطّ الرجعة !!.. لهذا أنصحكم بخوض هذه التجربة أعني التطهير التكنولوجي بصمت ودون مناقشة مسبقة كما كل القرارات التي تحقق لك ذاتك والتي طالما كررت في أكثر من دورة و ورشة أنك أيها الانسان الشخص الوحيدة الذي يستطيع أن يرى رؤيته لنفسه !
إطار العلاقات الالكترونية والذي يجعلك تنجرف دون إرادة منك للصداقات من خلف الشاشات على حساب علاقاتك في العالم الواقعي هو أول بؤرة ستعيد التأمل فيها في تجربة التطهير التكنولوجي ، وقد كشفت إحدى الدراسات أن 50% من الشعب الأمريكي يفضلون التواصل الرقمي على الشخصي . وقد اندهشت حين عبرت لي احدى طالباتي المراهقات يوما ما أنها منذ 3 أعوام متتالية لم تتواصل مع والدها إلا عبر الواتس اب نظرا لظروف عمله وتفضيله لهذه الوسيلة في التواصل !!
الهدف الأخير والأهم هم أطفالي الذين أحببت أن أقضي معهم عطلة الصيف بعد عام دراسي مثقل بالإنجازات . ولعل ما دفعني لذلك هو نتائج احدى الفعاليات التي نظمها قسم الإرشاد النفسي في مدرستنا لؤلؤة الخليج العربي تحت مسمى الحوار بين الأجيال باستضافة مجموعة من الأطفال مع آبائهم في حوار شفاف حول تأثيرات التكنولوجيا شكى فيه الكثير الكثير من الأطفال أمام أمهاتهم وآبائهم بجرأة ودون خجل من انشغال آبائهم بالهواتف طيلة حياتهم على حساب أوقات اللعب معهم ... قد لا تنتبه لهذا إلا حين يبدأ أطفالك يقولون لك بعد أن تعبوا من مناداتك وأنت تجيبهم بـ : إم إم إم فيعلوا صراخهم اسمعني / اسمعيني !
قد تحرمك هذه التجربة من الكثير أيضا ، فرغم متابعتي أثناء تلك العزلة للصحف إلا أن الكثيرمن الأخبار العاجلة فاتتني معرفتها في أوانها لكن تلك لم تكن نهاية العالم ، فأنا لست محور هذا العالم الرقمي الذي يستمر بي وبدوني !!.. وهي الحقيقة التي أدركتها بعد أن تأملت في حياتنا قبل قنوات التواصل الاجتماعي كيف كانت نابضة ، وكيف كان باستطاعتي في عزلتي توفير البدائل لمعرفة أخبار عائلتي الممتدة .
 هذه الفرصة للتأمل قد نحتاجها لمعرفة كيف نسيطر على التكنولوجيا عوضا عن أن نجد أنفسنا كالخراف لها تتحكم في نومنا وتفكيرنا وتحديد أولوياتنا وعلاقاتنا ... وتسجننا في غرف الحياة البائسة التي يعرّفها "ويليام هنري دافيس" بتلك الحياة المليئة بالاهتمامات ، حيث لا يتوافر لنا الوقت للوقوف والتأمل .. !