light

light

الاثنين، 16 فبراير، 2015

مستشار الأسرة .. مفهوم قرآني مغيّب





بقلم انتصار رضي / 2015
تصاعدت أرقام حالات الطلاق وحالات التفكك الأسري في الخليج ، حتى وصلت لنسب مخيفة تحتاج لتجنيد كل الطاقات لدراسة هذه الظاهرة ، من حيث أسبابها ، وطرق علاجها . وتطلّ علينا الصحف بين فينة وأخرى بإحصائيات تقوم بها أجهزة رسمية أو مؤسسات مدنية تبين الأرقام المتنامية لهذه الكارثة !
فعلى سبيل المثال لا الحصر أظهرت تقارير إحصائية سعودية لعام 2014 أن نسبة حالات الطلاق بلغت نحو 3 أضعاف حالات الزواج، وجاء في إحصاء نشرته وزارة العدل السعودية على موقعها الإلكتروني أن أعداد حالات الطلاق زادت بأكثر من 8371 حالة طلاق عن العام 2013.
أما في البحرين دلّت آخر الإحصائيات الصادرة عن وزارة العدل والشئون الإسلامية والأوقاف، الخاصة بالمعاملات الشرعية، على أن معدل الطلاق في البحرين بلغ 27 في المئة بواقع 873 حالة طلاق من أصل 3218 حالة زواج في النصف الأول من 2013
في حين كشف رئيس قسم الإصلاح الأسري في محاكم دبي، الدكتور عبدالعزيز الحمادي، أن هناك ارتفاعاً في حالات الطلاق في العام 2014 بنسبة تصل إلى 20%، إذ إن أربع حالات طلاق يتم تصديقها يومياً في محاكم دبي !!
أما الكويت التي احتلت المركز الأول خليجيا والثاني عالميا في معدلات الطلاق على مدى السنوات العشر الماضية فقد باتت معدلات الطلاق فيها تفوق الزواج بـ 50 في المئة !
بلاشك نحن بحاجة إلى إعلان حالة الطوارئ بكافة أشكالها لمحاصرة هذه الأرقام والعمل الحثيث لخفضها إن كنا نسعى لتنمية وتطوير المواطن وجعله منتجا اجتماعيا واقتصاديا وسياسياً. فعجلة النمو الاقتصادي لا يمكن أن تدور ما لم تبدأ بأرضية صلبة جذورها التماسك الاجتماعي في الأسرة التي تشكل نواة المجتمع.  وهذا ما دفع بالمهاتير محمد حين أراد لبلاده أن تصارع وسط النمور الآسيوية أن يبدأ بمحاربة نسب الطلاق المتصاعدة في ماليزيا التي تصدرت دول العالم عام 1992 بـ 32 % ونجح بمشروع إرشادي أسري ريادي خلال عشرة أعوام في خفضها إلى 7%  لتكون الأقل على مستوى العالم .
مازالت مراكز الإرشاد الأسري التي تعمل للتصدي لحالات الطلاق ورفع نسب التكيف والتوافق الأسري ، لا تحظى بإعتراف مجتمعي كافٍ ، وهذا ما دفعني للتفكير في جدوى إعادة موقع كان له وجوده ودوره في السابق ضمن التركيبات السكانية القبلية والعشائرية ، وهو في الأصل مفهوم قرآني قبل أن يكون عادات قبلية وعشائرية . تلك الفكرة بمصطلحات العلم الحديث تسمى المستشار الأسري . حيث وجد في السابق رجل أعتبر مرجعا حكيما في كل أسرة أو عشيرة يحتكم عنده بقية أفراد الأسرة والعشيرة ويتميز هذا الفرد عن بقية أفراد الأسرة والعشيرة بصفات الحكمة و وزن الأمور والرؤية الواسعة لكل المشكلات التي تعترض أفراد عشيرته فضلا عن الاحترام الذي يوليه أفراد العشيرة لهذا الرجل فهو زعيمهم وقائدهم وكلمته مسموعة لدى الجميع ويبذل هذا الرجل كل ما بوسعه لتطويق أي مشكلة أو خلاف يحدث بين أفراد عشيرته أو بينهم وبين أفراد العشائر الأخرى .
بغض النظر عن سلبيات العادات القبلية ، فإنه يتضح لنا أهمية هذه الفكرة وبلورتها بما يتفق مع معطيات العصر ، سيما أننا نجد هذا المفهوم ضمن آيات القرآن الكريم إذ يقول تعالى: ( وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ). إنّها محكمة تؤسسها العائلة من أجل التوفيق والإصلاح وتعتبر من مبتكرات الإسلام العظيمة وتتميز هذه المحكمة بميزات تفتقر اليها المحاكم الجنائية .
إن العمل في هذه المحكمة  الأسرية يكون على أساس المودة لا القوانين ، لذا يأمرنا القرآن ان يكون الحكمان من أهل الزوجين وممن يرتبطان بهما برابطة النسب والقرابة ليتمكنا من الدفع بالمشاعر والأحاسيس  أن تكون الحاكم باتجاه الإصلاح بين الزوجين . كما أن كون المستشار من داخل الأسرة يتيح فرص للبوح بالمشكلات بكل حرية ودون الحرج الذي يمنع الكثيرين من اللجوء إلى المراكز الأسرية المنتشرة هنا وهناك أو يمنع كثر من الأزواج بالبوح بالتفاصيل أمام المحاكم الجنائية .
وبلا شك فأن الحاكم في المحاكم الجنائية يؤدي مهامه ولا يضرّه ما انتهت إليه القضية في حين المستشار الأسري سيبذل جهده للحفاظ على مستقبل العائلة وتماسكها بحكم القرابة .
ناهيك عمّا تضمنته أحاديث الرسول وأهل البيت في أهمية المشاورة ، إذ يقول الرسول الأكرم ص ( مشاورة العاقل الناصح رشد ويمن وتوفيق من الله فإذا أشار عليك الناصح العاقل فإياك والخلاف فإن في ذلك العطب) ، وحديث آخر يقول ص : (هلك من ليس له حكيم يرشده ) .
ولكي تحقق هذه الفكرة أهدافها وتؤتي ثمارها لابد من مراعاة كون المستشار الأسري يتصف بعقل راجح لكي ينتفع به الآخرون وبمشورته ، وأن يكون صديقا ، مؤاخيا ، كاتما للسر، مجتهدا في النصيحة ، فضلا عن امتلاكه مهارات حل الخلافات والتعامل معها بصورة مهنية ، وتوفير الدعم اللازم له من قبل بقية أفراد الأسرة. 

وجود المستشار الأسري من داخل الأسرة يوجد رادعا قويا عن ارتكاب الأخطاء من قبل كل أفراد الأسرة الممتدة . ويتيح فرص زيادة الوعي والخبرة في محاصرة المشكلات ، وتقوية الثقافة الاجتماعية الصحيحة لدى الجميع ، وتنمية الروابط الأسرية . وهذا ينعكس على بقية أفراد المجتمع ككل مما يقلل من نسب الأرقام المخيفة. ومما يثلج الصدر أني التقيت مؤخرا في ملتقى الاختصاصيين الاجتماعيين الثامن بالبحرين بأحد المرشدين الأسريين في مركز الاستشارات الأسرية بمحافظة الأحساء بالمملكة العربية السعودية ، حينها  أطلعني على برنامج إعداد الموجّه الزواجي في مركزهم والذي يتبنى الفكرة ذاتها إذ يتم اختيار الكفاءات من أسر مختلفة ممن يتوافر فيهم الاستعداد للإرشاد الأسري ويقومون بإعدادهم ببرنامج تدريبي مكثف لإكسابهم مهارات تصنيف المشكلات الزواجية ، وتحديد المشكلات، وفنيات المقابلة ، ومهارات التواصل والاقناع،  وطرق تقديم الحلول ، وشرح وافي لكل النظريات اللازمة في العملية الإرشادية في المجال الأسري. بهدف رفع كفاءتهم في كيفية تطوير وتدعيم العلاقة الزواجية بين الزوجين ، و وضع برامج الوقاية لتقليل حدوث المشكلات الزواجية  ،والعمل على تعميق العلاقات الأسرية وحمايتها من التفكك . أظنها تجربة ريادية تستحق الالتفات لها ودراسة جدواها في سبيل إيقاف سيل الطلاق الذي بلغ الزبى ! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق