light

light

الثلاثاء، 10 فبراير، 2015

أعد النظر .. اغرس قيم ..


بقلم انتصار رضي / فبراير 2015

دشنت الإدارة العامة للمرور الحملة الوطنية لقانون المرور الجديد والذي دخل حيز التنفيذ في 7 فبراير في ظل تزايد حوادث المرور الناتجة من الإهمال والخطأ البشري . بغض النظر عما يشاع من أن الهدف من هذا القانون الغرامات الباهظة لجباية الأموال من الشعب ورفع نسب الإيرادات العامة أو بغرض ردع المخالفين الذين أودوا بحياة 1169 شخصاً منذ عام 1999 حتى عام 2013، أي خلال 15 عاماً حسب إحصائيات وزارة الداخلية .
ما أود الإشارة إليه أن الحملة التي دشنت بغرض نشر الثقافة المرورية وخلق الوعي المروري لدى كافة فئات المجتمع لتحقيق أعلى معدل للسلامة المرورية ، لن تكون عصى موسى القادرة على تغيير أرقام الضحايا ما لم يتجاوز أثرها التغييرات السطحية المؤقتة ، ويساهم في غربلة كاملة للقيم ، التي بدورها توجه السلوك .
 ولا خلاف في أن التعليم والإرشاد السلوكي الذي ينطلق من الثواب والعقاب يركز على إزالة الأعراض الظاهرية بدلا من الحل الجذري للسلوك فيكون الحل حلا وقتيا ، وللأسف هذه المفاهيم التي ظهرت وبدأت في الانتشار منذ خمسينيات القرن العشرين أصبحت ركاما قديما لكننا مازلنا نجتر آثارها ونعيش تحت رحمتها في كل مؤسسات التنشئة الاجتماعية !  
ما نحتاجه في مجتمعنا لـ " إعادة النظر " هو التغيير على مستوى الإطار المرجعي للسلوك أعني بذلك التغيير على مستوى القيم التي تقود الأفعال والسلوك وأساليب الحياة لدى الأفراد وبما أن العلماء يقولون إن  90% من البرمجة الذاتية تتكون عند الأطفال من سن الميلاد وحتى سن السابعة ، فيما تتشكل 10% من البرمجة الذاتية من 7-18 عاماً ، فإن هذه الحملة بغرض الوعي المروري يجب أن تستهدف الأطفال من مرحلة رياض الأطفال قبل الكبار إذا ما كانت الداخلية معنية برؤية استراتيجية بعيدة المدى لهذه الحملة .
قيم الفرد تعكس حجم توافقه مع  المجتمع ولهذا في التربية كعملية هدفها تعديل سلوك الإنسان فإن أول ما يلتفت له المربون هو موضوع القيم ولا تتوقف أهمية القيم على دورها فى مجال التربية لتعديل السلوك ولكن ترجع أهميتها أيضاً إلى أنها " مقياس الصواب والخطأ " ولذلك كان من الضرورى جدا أن تعنى هذه الحملة  بغرس القيم حتى يمكنها السيطرة على سلوك المتهورين وتعديله وهذا ما التفت إليه التجربة اليابانية في التعليم إذ بدأت باعتماد الثقافة المرورية كمادة أساسية في المرحلة الابتدائية وعملت على غرس قيم هذه الثقافة من الطفولة حتى سجلت عدد قتلى حوادث السير في اليابان عام 2013 تراجعا مهولا للسنة الـ13 على التوالي قدرت نسبته بـ0.9%.
والحق يقال لسنا بحاجة في مدارسنا إلى غرس القيم المتعلقة بالثقافة المرورية وحسب بل إننا بحاجة حقيقية إلى إدراج غرس القيم بشكل عام كمنهج أساسي في التعليم الإبتدائي ورياض الأطفال يستند إلى أسس علمية وتدريب مهاري عملي يشكل الإطار المرجعي للسلوك .
لقد تبين لي خطورة تأثير القيم على سلوكنا وتوجيهه أثناء فترة عملي في أحد مراكز الإرشاد الأسري فوجئت أن أكثر المشكلات الأسرية تقع بسبب فوضى الأولويات في الحياة ويخطئ الكثير من المرشدين حين يبدأون العمل في إعادة ترتيب تلك الأولويات دون النظر إلى سلّم القيم وهرميتها لدى الفرد والتي على إثرها يقوم الفرد بترتيب أولوياته في الحياة بطريقة لا واعية ، فيضحي بالأسرة لأجل العمل أو بالأسرة لأجل الأصدقاء أو بالعمل لأجل الترفيه !!
 لقد سبق وتساءلت في إحدى ورش العمل التي قمت بتقديمها لجمع من أولياء الأمور كيف قمتم بتعليم أبنائكم قيمة الصدق على سبيل المثال ؟! ومن جديد كانت الإجابات كلها تنبثق من هيمنة أسس المدرسة السلوكية التي صاغت قوانينها من تجارب على الحيوانات و لم تنظر إلى الإنسان ككائن حي مكرم له خصائصه التي ينفرد بها عن الكائنات ، في مشاعره وتفكيره وحاجاته ، بل نظرت إليه كما تنظر إلى المحركات الآلية ، التي يمكنهم أن يغيروا سلوكها واتجاهاتها ( إذا كذبت تذهب للنار ) ( إذا صدقت تذهب للجنة ) ( الكاذب سيحرم من الهدايا ) ( الصادق سيحصل على هدية ) ! ولا يخرج تعليمنا للقيم في الغالب عن إطار التوبيخ والتهديد والعقاب والثواب ، أو أسلوب الوعظ الذي لا يستطيع الطفل أن يستقبل منه ما يتجاوز الـ 30 ثانية !
ما هو أهم من تعليم طفل الروضة ذو الـ 3 أعوام الأحرف ، أن يتعلم كيف يحترم المعلم الذي سيعلّمه الأحرف ، وكيف يكون صادقا ، أمينا ، شجاعا ، مسالما.. وكل القيم التي  تمحور المسلم حول مبادئه ومعتقداته ، مهما كلف ذلك من عنت ومشقة ، ومهما ضيّع من فرص ومكاسب .
ولا أبالغ إذا قلت إن هنّاك شحا مؤسفا في المكتبات العربية لكتب تعليم الأطفال القيم بصورة عملية سواء كانت للوالدين أو معلمي رياض الأطفال أو المرحلة الابتدائية وهو ما أعمل عليه حاليا طوال عامين متتالين آملة أن يجد هذا الكتاب النور في القريب العاجل ! وأن يتم إقرار حصّة القيم ضمن تعليم رياض الأطفال والمرحلة الابتدائية .. و هكذا تتم إعادة النظر !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق