light

light

الأحد، 19 أبريل، 2015

أحبّيني بلا عقدٍ


بقلم : انتصار رضي / أبريل 2015

مواقع التواصل الاجتماعي أو منظومات الشبكات الالكترونية التي باتت الشغل الشاغل للكثير من الدراسات والأبحاث ، لاسيّما فيما يتعلق بالخصوصية والهوية التي تدخلت تلك الشبكات في بنائها وتشكيلها من جديد . تسمح هذه المواقع للفرد بإنشاء قناته الخاصة به ومن ثم ربطها من خلال نظام إجتماعي إلكتروني مع أعضاء آخرين لديهم نفس الإهتمامات والهوايات ، أو جمعه مع مختلف الأصدقاء والأقارب . كانت أولى المحاولات لهذه المنظومات في أواخر التسعينات بغرض الربط بين زملاء الدراسة إلا أنها فشلت لعدم جدواها الاقتصادية. وتلتها تجارب أخرى كان أكثرها بروزا وانتشارا الفيس بوك الذي يعتقد حالياً أن عدد مستخدميه يتجاوز 800 مليون مستخدم على مستوى العالم !!
تمُت هذه المواقع لمفهوم بناء المجتمعات بصلة وثيقة ، إذ باتت تضم مجموعة من الممارسات الموجّهة نحو خلق وتعزيز الحس الجماعي بين الأفراد من ذوي الاهتمامات المشتركة ، وغالبا ما باتت تنتقل تلك الممارسات من حيزها في الفضاء الالكتروني إلى الفضاء الفيزيقي الواقعي من أنشطة ترفيهية ، أو تأسيس جمعيات ثقافية ، و نوادي قراءة ...وغيرها في محاولة لإلغاء الحدود الجغرافية و الجندريّة بين منتسبيها.
لعل من أبرز ما نجحت فيه هذه المواقع هو تقريب المسافات بين القارات ، إذ لعبت دورا محوريا في التقريب بين الشعوب والثقافات بصورة عامة، وتوثيق العلاقات بين العالمين العربي والغربي بصورة خاصة. بل وما هو أبعد من هذا التلاقح ، فليس ببعيد عنا كيف لعبت أيادي الفيس بوك في احداثيات ثورات الربيع العربي ،  وكيف أصبح برنامج المحادثات "واتس آب" الأكثر شيوعًا بين سكان الكرة الأرضية ذكورًا أو إناثًا وبات رافدا مهما في بناء المشهد الثقافي في الكثير من المجتمعات .والأخطر من ذلك تأثيره في بناء منظومة القيم وتوجيه سلوك أفراد المجتمعات ، إذ بات الـ "واتس آب" أحيانا المصدر الأول للمبادئ والتعاليم والضوابط الأخلاقية التي تحدد سلوك الأفراد وترسم لهم الواجبات الحياتية وأدوارهم في المجتمع .
ومن أخطر تلك الأدوار والعلاقات التي بات للـ "واتس آب" أيادي في تشكيلها هي العلاقة بين الزوجين في الأسر الخليجية ، في لغة لا تخلو من التهكم و السخرية على الرجل الخليجي المتبلد المشاعر ، والمرأة الخليجية الغبية .
" أبو سروال وفانيلة " مصطلح ابتكرته وأشاعته قنوات التواصل الاجتماعي للرجل السعودي وامتد للبلدان الخليجية  بعد أن أثبتت الدراسات إن 60% من السعوديين يتحركون في بيوتهم طوال اليوم بـ"السروال والفنيلة" على الرغم من كونهم كما يشاع سابع شعوب العالم في الصرف على آخر الصيحات في الملابس ولوازم التجميل والأناقة ! وعلى الرغم من أن " أبو سروال وفنيلة " تم ابتعاثه للخارج وحظى بأعلى الشهادات الأكاديمية واعتلى أفضل المناصب إلا أنه مازال مثار سخرية الفتاة وإن كان على سبيل الدعابة فقط.
ولم يكن حال الفتاة الخليجية أفضل من شريكها الرجل إذا كانت ضحية لحرب الكترونية كوميدية مضادة روّجت لـمصطلح " أم الركب السود / أم المشمر " بمختلف الوسائل والأساليب .  هذه الحملات الكوميدية باتت الآن وعبر قنوات التواصل الاجتماعي - الـ "واتس آب" أولا – باتت تلبس الكثير من الشباب نظاراتها ليشاهدوا أنماط العلاقات بين الزوجين من خلال هذه الثقافة الواتسابيه التي نصبح ونمسي على نوادرها وتناقلها بوعي أو بلا وعي !
لست في صدد استهجان هذا الـCopy و الـPaste الذي بتنا ضحاياه بصورة لا واعية عبر سكب مشاعرنا في قوالب "أم المشمر " و " أبو سروال وفانيلة " بقدر ما أنوي فيه تسليط الضوء على النار التي بعثت هذا الدخان ! لنتأمل معا في بعض النكت الشائعة والبحث عن العامل المشترك الأكبر بينها :
·        بعض الرجال يمسكون أيدي زوجاتهم في السوق لأنهم لو تركوا يدها سوف تذهب وتشتري السوق بأكمله ، قد يبدو الأمر في نظرك رومانسيا لكنه من وجهة نظر " أبو سروال وفانيلة " اقتصاديا !
·        هل تعلم أن (( الأخطبوط )) لديه "4" قلووب ولا يحب إلا نفسه فقط! عزيزي الأخطبوط،، اش يقربلك ابوسروال و فانيل !
·        ذهبت انا وزوجي الى البحر كي نعيش وقتأ ممتعآ ورومنسي فقلت له آلبحر جميل .. فقآل ليس آجمل من وقوفك جانبي ..اصبروو... هذي مو حقتنآآآ ، النسخه السعوديه .. ذهبت أنا  وزوجي إلى البحر كي نعيش وقتآ ممتعآ ورومنسي فقلت له البحر جميل .. فقال تغطي بَـِـِسُ ورانا شباب ..
والكثير مما لسنا في صدد جمعه في هذا المقال ، لكن كما هو واضح أعلاه فإن كل هذه الحرب الكوميدية تدور حول نقد قالب واحد تنصهر فيه المرأة الخليجية والرجل وهو الجفاف العاطفي ! ففي دراسة سعودية للدكتور صالح سلامة بركات أستاذ علم النفس تبين أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا فى نسبة الطلاق، وإن 79% من حالات الانفصال سببها معاناة الزوجة من عدم تعبير الزوج عن عواطفه لها، وفِقدان أي وسيلة للحوار بينهما. ولا يختلف الأمر عند الكثير من النساء أيضا .
هذا البخل في المشاعر بات اليوم سببا رئيسيا وراء الكثير من قضايا الطلاق في أروقة المحاكم ، وبات المحرّك الأساسي للكثير من قضايا الخيانة الزوجية التي تقود الحياة الزوجية إلى التصدّع وتنتهي بالطلاق الرسمي أو الطلاق العاطفي إذ يعيش الزوجان تحت سقف واحد كالغرباء لا يجمعهما إلا الصمت المطبق !
مصطلح العيب الذي يفوق في سلطته المنطق والشرع أحيانا ، من أكثر الأسباب التي حجّمت من قدرة مجتماعتنا الخليجية في التعبير عن المشاعر بانسيابية وطلاقة . كثيرا ما كنت أعبر ممرات المدرسة وألتقي في طريقي باحدى طالباتي المراهقات فأحتضنها بين ذراعي أشعر بفرائصها ترتعد خجلا وخوفا من عناق لم تعتد عليه ، وكثير ما رددن لي طالباتي هذه العبارة " أمي تستحي تحضنني " ؟ في حين كان الآباء و الأمهات  يعلقون على هذا بقولهم " لا نعرف كيف نفعل ذلك " ؟ وكأن المهمة تحتاج إلى جرأة بحجم مجرّة لينوي الأب أو الأم  احتضان أبنائهم دون مناسبة تذكر !
والكثير من القضايا التي وردت على مكتبي أثناء عملي في الإرشاد الأسري سابقا كانت تتشعب طولا وعرضا وتنتهي بالجفاف العاطفي ! ومن باب من لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل فإنك لست مخيرا في هذا السبيل .. فعليك أن تكون ثقيلا رزينا جافا كما تريد لك ثقافة العيب ، لأنك لو فكّرت أن تعبر حاجز الخجل في هذا فقد تُوصم بقائمة طويلة عريضة من الألقاب مفادها أنك لست رجلا وأنّك امرأة تافهة !
أتساءل يا ترى هل يحتاج التعبير عن الحب لأبنائنا لأزواجنا لزوجاتنا كل هذا التعقيد الذي يوصل بأسرنا أحيانا إلى الخيانة أو أروقة المحاكم ؟؟ ! رسول الله ص وهو أكثر رجال  الأرض مهابة وعظمة على مرّ تاريخ البشرية كان يقبّل وجنة فاطمة ويقبّل نحرها ويقول : فداكِ أبوكِ  .. فداكِ أبي وأمي .. فأين نحن من هذا الحب البسيط الذي لا يحتاج إلى معادلات حسابية معقدة  لتوزيعه لمن يستحقه !! ولماذا لا نحبّ كما يشاء الحب دون عقد وبلا تعقيد أو كما يتساءل  شاعر الحب نزار قباني :
لماذا لا يحب الناس في لينٍ وفي يسر ؟
كما الأسماك في البحر ،، كما الأقمار في أفلاكها تجري
لماذا لا يكون الحبّ في بلدي .. ضرورياً ..

كديوان من الشعر !!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق