light

light

الأحد، 12 أبريل، 2015

من يشعل فانوس المتعوس ؟

بقلم : انتصار رضي - أبريل / 2015

"رفع الله حظّش" ! هذه العبارة التي يجبر بها أبناء وطني خاطر فتاة تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها ولم تدخل في دائرة النصيب بعد ، لتحظى بزوج ( يرفع حظّها ) . ومهما بلغت الفتاة في ثقافتهم من جمال أو شباب أو نضارة أو مؤهلات فهذا " الحظ " المايل في وجهة نظرهم سيبقى معوج مالم يلتئم نقصها بالجنس الخشن فيعدله! 
تبقى هذه الدعوات على لسان الأمهات وما يحفّها ويدعمها من أمثال شعبية ، تسجّل شعور وأفكار الناس بتكثيف وإيجاز فيما يشبه القوانين النافذة تتناقلها الأجيال وتتوارثها بوعي أو بلا وعي . ورغم تطور ثقافة المجتمع في كثير من تحوّلاته وعلاقاته الديناميكية إلا أن هذه الدعوات والأمثال تبقى تتوارث في الذاكرة الجمعيّة وتفرز نمط وعي مشترك يترجم فهمنا للكثير من الظواهر والقضايا في الحياة ومن تلك القضايا مسألة ( الحظ ) !!
منذ زمن طويل وأنا مولعة بالأمثال الشعبية وقراءة الدراسات المقارنة للأمثال في البيئات الخليجية والعربية في محاولة للنظر إليها نظرة معاصرة تؤكد حيوية هذا التراث وأثره المستمر في وعينا وتكويننا الفكري والثقافي . ومسألة الحظ كان لها نصيب الأسد في هذا التراث الذي يتعدى كونه مجرد كلام مرصوص ومسجوع إلى رفعه في مصاف الأحكام القطعية تدفع بالكثير لتعليق المسئولية بتسليم مطلق على الحظ في مواجهة الإخفاق أو تبرير النجاح !
مجمل ما جاء في هذا التراث يميط اللثام عن حالة ضبابية من الوعي تخرج الإنسان من قانون السببية الكونية وتحصره في دائرة من لاعلاقة له بتقدير الأقدار فهو في هذه الدائرة كائن يعيش ضرورات ومعطيات فرضت عليه بقدر ما يتسع الحظ له أو يضيق .
إذا ما سلّمنا بخضوعنا جميعا للحظ الذي ينطلق من أسباب قد لا نكون جزءا منها بل تفرض علينا من صنع واقع كوني يدبّره الله لنا ، فعلينا ألا نغفل من جانب آخر عن تناول الأسباب التي نكون نحن الجزء الأهم منها في صناعة الحظ .
من بين تلك الأسباب اغتنام الفرص التي تمرّ مرّ السحاب ! فمن  أهم ما يرفع حظوظ الناجحين قبالة سواهم هو اغتنام الفرص التي تمرّهم وهم على أتم الاستعداد لها . لقد سئل أحد كبار الأثرياء من الذين يعملون في العقارات وسوق العملات، كيف تنجح في السوق وغيرك يفشل فيه ؟ فقال: "أنا أدخل في السوق حينما يكون غيري لا يزال مترددا، وأخرج منه حينما يكون قد قرر غيري الدخول، فأحصد أنا النجاح ويحصد هو الفشل..".
لماذا يحاصرنا الخوف دائما من قول " نعم " للفرص الجديدة ، للمعرفة الجديدة ، للعلاقات الجديدة ؟ ألا تتفقون معي أن هذا الخوف الذي يسكننا  يدفعنا لخسارة الكثير من الهبات التي قد يسوقها الحظ لنا يوما ما ؟
لوهلة قد ينكر الكثير منّا أن الخوف هو سبب هذا التردد ؟ لكن إذا تأملنا في دوائر الارتياح Comfort zone التي غالبا ما تحصرنا في دائرة مغلقة نصبنا حولها مصدّات لكل ما هو جديد وأحكمنا نوافذنا وأغلقنا ستائرنا عن كل ما يطرق أقدارنا من فرص ! وهل هناك من فرص تلوح ما لم نبحث عن الجديد دوما ؟ وما دمنا نخاف الجديد فسنظل قابعين تحت سماء لا تمطر فرصا ! فنحن لا سوانا من نحبس سماءنا أن تمطر فرصا بل وأحيانا سماء من معنا أيضا ؟!
نبدأ من دائرة الأطفال ففي بداية كل عام دراسي عليّ أن أتحلى بصبر الأنبياء وأنا أدرس طلبات أولياء الأمور لنقل أبنائهم من فصل دراسي لآخر والسبب في الغالب الأعم ( عشان أصدقاءه هناك ! ) وكأنه محكوم على هذا الطفل أن يعيش وسط هذه الدائرة من الأصدقاء كل حياته ، وهكذا يتبنى الأبناء ما يتبناه الآباء . ولا أبالغ إذا ما أخبرتكم أن بعض الآباء قد يضطرون للتلويح بالشكاية لوزارة التربية والتعليم إن لم أخضع لنقل أبنائهم للمجموعات الطلابية التي إعتادوا عليها ! وربما أقول ربما يخسرون الكثير من التجارب الجديدة التي قد تسوق لهم فرص جديدة مع معارف جدد وصداقات جديدة .
وماذا عنا نحن البالغون في عالم الانفتاح التكنولوجي ؟؟ قبل أشهر معدودات وجدت نفسي وسط 80 شخص في مجموعة " واتسابية" كل أعضائها من حملة الدرجات العلمية والعملية الرفيعة جدا ، لا أعرف من بينهم سوى مؤسس المجموعة ! كنت أراقب بحذر ردود الأفعال حيال هذا التجمع الذي كان واضحا للوهلة الأولى من انسحاب مؤسّسه بعد دقائق معدودة من إنشائه أنه حدث عن طريق الخطأ ، إلا أني كنت أراقب مادار فيه من  تفكير و تمحيص و فرك الأكف و حكّ الشّعر ومناقشات لا تدار إلا بعقول تحكمها نظرية المؤامرة خلصت إلى ضرورة إنهاء هذا التجمع الخطير ! ولكم أن تتخيلوا هذا الخطأ العابر ساق لي فرصة ثمينة لمعرفة باحث نفسي يحضر الدكتوراة في علم النفس في السويد ويقوم بدراسات فريدة لم أقرأ لها مثيلا تتعلق باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال وهو ما شجعني حاليا لتأليف كتابي حول هذا الاضطراب والاستفادة من أبحاثه فيه ! « الفرصة غُنم » الإمام علي عليه السلام .
ولو تأملنا الفروقات بين شخص محظوظ وآخر لم يحالفه الحظ يوما رغم مرورهما بنفس التجربة فإننا سنجد الشجاعة لدى المحظوظ كانت السبب الأول في اقتناصه للفرصة في حين بقي المتعوس يفرك فانوسه الذي فات وقت إشعاله ! إن اغتنام الفرص لا يتم إن كنا نتأفف من رسالة بريدية تصلنا تخبرنا بالجديد في عالم التدريب أو تسوّق لنا بضائعا حديثة ، إغتنام الفرص لا يتم ونحن نتأزم من استقبال مقالات وروابط إلكترونية تصلنا من أشخاص لا تربطنا بهم صلة قرابة أو معرفة ! لن يتم ما لم نستثمر حتى أخطاء الآخرين لنصنع منها نجاحاتنا ! .
أيضا من بين تلك الأسباب التي تجعلنا سببا محوريا في صناعة الحظ الوقوف في موقع السبب لا النتيجة دائما ! تأملوا معي كم يقبع الكثير منّا في مواقع النتائج ويستسلم إلى أنه ضحية للظروف التي لا يتحمل أسبابها !! فالشاب الذي لا ينجح في امتحان  السياقة يبرر بقوله " المرور رسّبني " ، والطالب الذي لا يجتاز عامه الدراسي " المعلّم يعاديني " ، والزوجة التي تصل إلى الطلاق زوجها ظلمها وهكذا هلمّ جرّا ... وحين نتملّص بشكل دائم من الوقوف في مواقع السبب وتحميل أنفسنا مسئولية بقعة الحبر التي بدت على ثيابنا ولم نكتشفها إلا في العمل ، وتعطّل الفيديو في ورشة عمل قمنا بتقديمها ، و حادث واجهنا في الطريق ففاتنا موعد الطائرة .. إن لم ندرّب أنفسنا على الوقوف في هذا الموقع فلن نسعى لصناعة الحظ لأننا باختصار ضحايا في طابور طويل ننتظر متى ترحمنا الظروف وتنصفنا الحظوظ !
وبلا شك يلعب التحرر من الأفكار التشاؤمية وسيطرة قوانين مورفي على عقولنا  دورا كبيرا في صناعة الحظ ، فالتشاؤم يقودنا دون وعي إلى نتيجة حتمية  كنّا ننتظرها دون غيرها . هل بتنا نشعر حقا بحجم التشاؤم المقيت الذي بات يحكمنا وبتنا نصدّره لأبنائنا وعوائلنا وأصدقائنا بقصد أو دون قصد ؟؟ سواء بنشر رسائل شبكات التواصل الاجتماعي أو تجاذب بعض الأحاديث في بيئات العمل أو البيئات الأسرية والتي تبث الطاقة السلبية فتؤطر أفكارنا وتسيطر على مشاعرنا وتترجم في سلوكياتنا . وتنتهي بألا حيلة لنا في صناعة الحظ ولو جرينا جري الوحوش ! لا أجد لهذه الحالة أجدى من مثال قاله لي أحد أساتذتي في الحياة: " تخيلي أن الأقدار كالأقمار الصناعية وأن عقلك هو المستقبل للقنوات الفضائية .. ثقي أن " الريموت" بيدك فأي القنوات تودين استقبالها اختاري ثم اكبسي زر القناة التي تودين .. كان أستاذي يودّ أن يشرح لي قانون الجذب والقوى البشرية الغامضة باختصار شديد .  " ما ظنّ عبدٌ بالله خيراً إلا كان الله عند ظنّه به ، ولا ظنّ به سوءاً إلا كان الله عند ظنّه به " .
اغتنموا الفرص .. كونوا في موقع السبب .. تفاءلوا بالخير .. هذه قواعد ثلاث ذهبية جربتها في مختلف مراحل حياتي وأكدت لي تماما أننا نحن من نرفع حظوظنا ونشعل فانوس المتعوس أو نطفئه !! 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق