light

light

الأحد، 5 أبريل، 2015

علّمونا الحب


بقلم : انتصار رضي / أبريل 2015

وسط طوفان العنف والتقلبات السياسية المتصاعدة ، والخلافات الطائفية التي شوّهت النسيج الاجتماعي ، أو أن خراب النسيج الاجتماعي قد انعكس بشكل خلافات طائفية ! لست أدري .. ما أعلمه هو أننا نعيش في شرق أوسط ملتهب بصراعاته المحليّة والخارجية ، وإن أقصى ما بتنا نفكر فيه كيف نتأقلم كطوائف مع هذه الأزمات المتتالية وكيف نتبنى ثقافة إدارة الخلاف حتى لا نُسجّل تحت الفصائل المنقرضة أو نتحول لمجرد أرقام واحصائيات في سجلات الوفيات .
هذا ما دفع بعض الكتاب مؤخرا عوضا عن الحديث عن قيم السلام وأخلاقيات التعايش الإنساني وإدارة الحب ، أن يتداولوا عنوان كـأخلاقيات الحرب ! يبدو للوهلة الأولى لك أن الأمر يثير السخرية والبكاء معا ؟ فكيف نبحث عن أخلاق لمسببات الهلاك والموت وتسمية أدوات الذبح بأنها انسانية وأخلاقية ! لكن تبقى هذه النداءات على حدّ قولهم هي أقصى ما يمكن أن يبرئ به كاتب ضميره إتجاه المدنيين الذين هم لا حول لهم ولا قوة في التجاذبات السياسية وفي تصفية حسابات الصراعات الكبرى . المدنيون الذين عادة ما يكونوا حلفاء الخسارات العظمى في كل رحى حرب تضع أوزارها بعد أن أفنتهم بصمت يشوبه استنكار دولي خجول !
أما أنا ومن كرسي مكتبي في المدرسة أتأمل وجوه طلبتي الحالمة بغد أجمل لم يأتِ بعد ، ولا أعرف إن كان سيأتي أم لا ! أجد أن غاية ما يجب أن نقدّمه لهؤلاء الأطفال وسط حمّى القتل والذبح في عالم اليوم ، أن نعلّمهم الحب ! الحب تلك الثقافة التي أجدنا في أمسّ الحاجة لهندستها وتفصيلها وتعليمها . كنت أعيد نفس هذه العبارات مع زميلتي بالعمل فتوقـَفت لوهلة تسألني وما الحب ؟ ها .. ما الحب ؟؟ .. فأجبتها لا أدري (Google it) .. شئت أن نتندر حول بعض التفسيرات والعناوين وبدأنا ( نغوغل ) الحب ! وهذا ما وجدته :-
" الحبّ : هو شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، أو شيء ما، وقد ينظر إليه على أنه كيمياء متبادلة بين إثنين، ومن المعروف أن الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ "هرمون المحبين" أثناء اللقاء بين المحبين " .
" الحب الحقيقي يستحق منك البحث دائماً عنه و الإحتفاظ به في حياتك . و ذلك لأن الكثير من الأزواج  قد ينفصلوا بسبب عدم الشعور بالحب الحقيقي " .
" أريد حبيبا يقدّر الحياة الزوجية ، ويحبني " ، " الحبّ في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لأخترعناه " ، والكثير من صور عارضات الأزياء وبنات الهوى !
وجدت كلمات في الحب  لشكسبير ، سيمون دي بوفوار ، جان جاك روسو ، العقاد ، أفلاطون ، برنارد شو ، جبران ... إلخ.
الله قال أحبّوا الأنبياء قالوا أحبّوا العلماء قالوا أحبّوا الشعراء والفلاسفة  والفنانين ، فأين كل هذا الحب الذي قالوا عنه في هذا المتصفح العملاق ؟تذكرت حينها مصباح ديوجين الفيلسوف اليوناني المتقشف الذي لم يقتنِ شيئا ولم يملك مأوى ، تذكرت مصباحه المشع البائس الذي حمله في ظهيرة يوم حارق تحت شمس سماء صيف صائف لا يحجبها غيم ولا غبار وعبر به الطرقات وهو يقول ( أبحث عن انسان ) !
وأدركت مع زميلتي وسط فوضى تفسيرات الحب في الفضاء الالكتروني الشاسع أننا لم نجد ذلك الحبّ الذي نبحث عنه لنعلّمه أطفالنا ! الحب الذي نحتاجه ليحمينا وسط شرق أوسطي مكتظ بحروب ونزاعات لا نعرف فيها هويّة الجاني والمجني عليه ! وأجندات سياسية تتحكم في مصائرنا لا نعرف أهدافها أو هويتها ! الحبّ الذي يرحم جهل الضعفاء بدوافع تلك التصفيات السياسية ومرامي صراع المصالح الذاتية .
الحبّ الذي يبدأ من أنفسنا لأنفسنا ؟ فكيف نعلم الأطفال أن يحبّوا أنفسهم قبل أن يتوسّلوا الصواريخ لتكون رحيمة عليهم فلا تسقط في مدرسة علّقوا على جدرانها لوحاتهم عن الحبّ والسلام ؟ كيف نعلّمهم أن يحبّوا أنفسهم وسط أنماط تربية متطرفة شائعة ، فهي إما توقعهم في النرجسية وتضخم الأنا ومركزيتها و عبادة الذات تحت قائمة طويلة للاضطرابات النفسية ،أو تسقطهم في مطبّ انخفاض تقدير الذات تحت طائلة الفهم المغلوط لحبّ النفس في القرآن والسنّة ! كيف نعلمهم ذلك الحب الذي يبدأ من النظرة الايجابية للذات وتقدير ما تملكه من إمكانيات وطاقات وقدرات ومؤهلات ، الحب الذي يمنحهم الثقة في التعامل مع ذواتهم بإيجابية كل يوم .
الحبّ الذي يبدأ في دائرتنا الأولى أسرنا ، ليحارب أرقام  الإساءة الأسرية، أو الإساءة الزوجية جسديا ولفظيا ونفسيا وجنسيا وماديا ! ليحارب الإهمال الأسري والصراعات الزوجية وأرقام الطلاق المتضخمة والتي فاقت معدلات الزواج في بعض الدول الخليجية !
الحب الذي يبدأ في مدارسنا ، كي لا يجعل أطفالنا ضحايا لظواهر الاستقواء والتنمّر المدرسي تحت سيادة أسلوب الغاب وسياسة البقاء للأقوى . الحبّ الذي يتنفّسه المعلّم حين يتقبل طلابه كم هم لا كما ينبغي أن يكونوا عليه ، نعم هو حب المعلّم لطلابه غير المشروط بتخفيف نصاب المنهج المقرّر أو المادة العلمية أو ساعات الدوام المدرسية أو اشتراطات الجودة ولجان التحسين ! بل الحبّ الذي يجعل المعلم روحا أبويّة فياضة بالرحمة والنصح والإخلاص والنبوّة .
الحبّ الذي يبدأ في أعمالنا و وظائفنا ، ولا يحوّل سلطة المدراء إلى تسلط في جوّ من الاحتراق الوظيفي و فقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل ومعاملة الأفراد كأشياء وليس كبشر ! الحب الذي يرحم طوابير العملاء الطويلة والمعاملات المتكدسة على الأرفف بسبب البرود والبيرقراطية البغيضة ، وعدم المبالاة، والشعور السلبي نحو المستفيدين من الخدمة .
الحبّ الذي يبدأ من طرقاتنا وشوارعنا ، فيمنعنا من الوقوف بسياراتنا أنّى نشاء غير عابئين بالطريق ! أو أخذ مكانين لركن السيارة دون أدنى تفكير بالآخر ، أو حرمان المشاة من حقهم بالسير الآمان على خطوط المشاة ! الحب الذي يدفعنا لإماطة الأذى عن الطرق و الحفاظ على بيئتنا من اضطراب النظام البيئي ومن التلوث الذي ينذر بالاحتباس الحراري !
الحبّ الذي يبدأ مع الغير أيا كان هذا الآخر ! فيردعنا عن التَّلَهِّي بالحيوانات في الصيد كقتل عصفور عبثا وتسلية ! أو ركل عامل آسيوي في محطة وقود لأنه سكب البنزين الجيد عوضا عن الممتاز ، أو استنزاف خدم المنازل في العمل من دون خجل أو شعور بالعار وكأنهم ليسو ببشر مثلنا ! الحب الذي يدفعنا أن نتطوع بدون مقابل في  جمعيات وفعاليات تدافع عن قضايا أطفال السرطان أو متلازمة داون ، أن نتطوع في تزكية بعض العلم مجانا وسط جشع عالم التدريب والمدربين . الحبّ الذي يجعلنا نشفق على معدم يعيد ترتيب ميزانيته ألف مرة ليسدد بها فواتير الكهرباء والماء قبل انقطاعها في حين نشدّ فيه نحن رباط أحذيتنا التي تعادل راتبه الشهري ! الحب الذي يمنعنا من ترك أحد الوالدين وقد بلغا من الكبر عتيّا على باب دار للمسنين ، الحب الذي يجعلنا جزءا من معاناة مريض سكلر رفضت كل الشركات توظيفه ، جزءا من معاناة الأرملة التي تنتظر إعانة شهرية لا تكفي لملابس الشتاء ، والعانس التي تنتظر من ينتشلها من مستنقع نظرة الناس . الحب الذي يجعلنا انسان .. انسان فقط !
إنها مسئوليتنا نحن كآباء وأمهات ومعلمين  أن نعلّم أطفالنا هذا الحب غير المشروط بمكاسب أو مصالح . قبل 7 أعوام قال لي أحد معلميني في الحياة وأنا أنتظر استقبال طفلي الأول حين سألته : ما هو أول شيء أعلّمه أطفالي ؟ أجابني سريعا : الحب ! الحب ولا شيء آخر ! وأعقب ذلك بمعلومة علمية تشير إلى أن العقل الواعي يتوقف عن العمل في حالة النوم وأن المجهود يقل إلى أدنى درجة عندما يدخل المرء في حالة النعاس ، والسبب في هذا هو أن أعلى درجات النشاط للعقل الباطن تحدث قبل النوم وبعدها قال لي : اهمسي لرضيعك قبل النوم بكل عبارات الحب. قمت بتجربة هذا أنا ومجموعة من صديقاتي مع أطفالهم في ترديد عبارات كل مشتقات الحب وعلائقه على أطفالنا قبل النوم لأعوام متتالية وتيقنت حينها أننا نحن لا سوانا من نقوم بتعليم أطفالنا الحب ليس بملأ عقلهم اللاواعي بتلك العبارات وحسب بل بجعل الحبّ منطلقا لكل سلوكياتهم وأفكارهم ومشاعرهم وقراراتهم !
يقول الدكتور مصطفى أبو السعد أحد العمالقة في عالم التربية بالحب التعبير عن المحبة للطفل من أهم مقومات السعادة له . هذا التعبير يحد من العنف والتحرش الجنسي ويشبع للطفل الحاجة للقبول وينمي الصفات الإيجابية عنده  وذلك من خلال الكلام ، القبلة ،الاحتكاك الجسدي ، الضم ، وقد تبين على حدّ قوله أن الطفل بحاجة إلى 24 ضمة يوميا من والديه لا أقل من ذلك !
فإن كنّا لا نملك مقاليد الأمور في هذا العالم المستعر لنخمد كل مصانع الحرب والصراع والبغض ، فإننا نملك أحضاننا وهي أكبر مصانع الحب ! فلنعلّم أطفالنا هذه الثقافة قبل أن تعلّمهم الحرب ما لم يعلموا وتذيقهم ما لم يذوقوا !


هناك 5 تعليقات:

  1. شكرا لوجودك هنا 🌹

    ردحذف
  2. الردود
    1. سلمتِ عزيزتي البتول 🌹

      حذف
  3. فعلا كتاباتك هي تجسيد لاسمك اي انها انتصار على كامل الكلمة... مع تحياتي... عامر عبدااساتر

    ردحذف