light

light

الثلاثاء، 12 مايو، 2015

رجلٌ مثل أمّي


بقلم : انتصار رضي / مايو 2015

في الأسطورة السومرية ( الأم ) :
الشمس ذهبت لتنام، النهار انقضى،
فيما أنت في السرير تحدقين فيه،
فيما أنت تمسدين الرّب،
فيما أنت تمنحينه الحياة،
امنحي الرب الصولجان والمحجن !!


في المجتمعات البدائية كان النشاط الاقتصادي الأبرز الذي تمارسه جماعات عديدة هو الصيد والرعي . و آنذاك كانت الأحوال البيئية الصعبة تفرض على سكان المجتمع البدائي التنقل والترحال بحثا عن الفريسة، إذ كان من النادر أن تقيم المجموعة في مكان ما لمدة تتجاوز الأربعة أشهر . حرصت المجموعات البدائية بتلك الآونة لاستثمار الحيوان بشكل تام تقريباً بعد أن عرفوا إمكانية الاستفادة منه لتحقيق معيشة أفضل . وبناء على هذه الظروف المعيشية القاسية فقد كان الرجل هو من يتصدى لمهنة الصيد والرعي ، وكانت المجتمعات البدائية آنذاك تعدّ الشباب للإنتقال لمرحلة الرجولة في طقوس قاسية جدا تجعله يستطيع الاعتماد على نفسه في قوت يومه ، والكشف عن قدرته في مواجهة الصعاب وتحمل المخاطر .
كان الرجل هو سيّد المشهد من ناحية اقتصادية واجتماعية خاصة بعد كل تلك الممارسات والطقوس القاسية التي قد تصل أحيانا إلى نزع أسنانه وتشويه وجهه  بغية قياس قدرته على احتمال الصعاب . في حين لم تكن المرأة في بقعة الضوء في تلك الآونة بل كانت مملوكة للرجال يتصرفون بها كيفما شاؤوا ، و كان كل ما عليها آنذاك هو الدفاع عن العائلة والأطفال بالإضافة إلى مسئولية حمل الطفل في رحمها لتسعة أشهر والإنجاب وإرضاعه .
ومع بداية عصر الزراعة حين بدأ الإنسان يفكر في البقاء بموطنه عوضا عن التنقل والترحال الذي كان ديدنه في عهد الرعي والصيد ، فبذر بذرة سقط عليها المطر فاخضرّت وأينعت وجاءت بالثمر الذي استخدمه لطعامه وعلفا لماشيته ، هذا العمل كان يستلزم الكثير من الأيدي العاملة للحرث والحصاد وهنا برز دورا واضحا للمرأة داخل وخارج بيتها ، فكانت المرأة تعمل عملا دؤوبا في الحقل بالإضافة إلى مهماتها المنزلية التي احتفظت بها على مر العصور.
استقرار الإنسان في العهد الزراعي أدى للمزيد من الإنجاب وتضاعف المسئوليات اتجاه بناء القرى والأرياف والتوسع فيها ، ولعل تحمّل المرأة المزيد من الأعباء جعلها تبرز  قوية مسيطرة رغم وقوعها تحت سلطة القوانين التي اغتصبت حقوقها الانسانية قبالة ما كانت تقدّمه من تضحيات وكفاح مستمر ، إلا أن امرأة هذا العصر التي شكّلت محورا هاما في النشاط الاقتصادي الزراعي بقيت جبّارة و استطاعت أن تملك الرجل وتخضعه لسلطتها في الكثير من المجتمعات .
مع نهاية العصر الزراعي وبداية الثورة الصناعية وبناء المعامل التي كانت محور القوة الاقتصادية آنذاك ، عاد الرجل للسيادة كربّ عمل من جديد ، رغم الحاجة إلى المرأة في الأيدي العاملة إلا أن المصانع استغلت غالبية الطبقات  الفقيرة للعمل بأجور زهيدة وكان نصيب المرأة الأكبر في هذا الاستغلال ، إذ بقيت تعمل في ظروف عمل قاسية وتحافظ في ذات الآونة على أمومتها وأدوارها المنزلية . ومع تراكم سنوات التعسف والاستغلال للعمال والطبقات الفقيرة من جانب و تفاقم اشتداد الضغط على العمال في المصانع تبلورت الثورة التي شاركت فيها المرأة للمطالبة بحقوقها الإنسانية ، و تصاعدت وتيرة تلك المطالبات التي انتهت بالكثير من العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية و التي أقرّت باعتبار حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان ، وإذ ذاك بدأت المرأة تعود للصدارة من جديد !
ومنذ تلك الآونة وبصورة تصاعدية بدأت كلمة " المرأة " الشمّاعة التي تبرهن بها الدول ديموقراطيتها من خلال سعيها الحثيث لإيصال المرأة لعصرها الذهبي !  فولدت منظمات المجتمع المدني لتطالب بوجود المرأة في مواقع صنع القرار وتثبيت الكوتا دستوريا في الكثير من الدول التي همشت المرأة ولم تبادر بتمكينها . وساهمت تلك المنظمات بشكل كبير في القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا ، فالمنح المالية تصرف من أجل صناعة المرأة رائدة أعمال ، والمؤتمرات تدار حول إبراز المرأة كمبدعة ، والاتفاقيات توقع من أجل حماية المرأة من العنف ، والأموال تصرف من أجل إيصال المرأة إلى قبّة البرلمان حتى حاصرتنا أحزاب للمرأة ، جمعيات للمرأة ، منظمات للمرأة ، مجلس أعلى للمرأة ، اتفاقيات للمرأة ، مؤتمرات للمرأة ، مواثيق دولية للمرأة .. حتى بدأ عصر المرأة .. المرأة وحسب !
وإن سعت تلك الجهود لتحقيق الأبعاد الاستراتيجية للنهوض بحقوق المرأة ليس باعتبارها قضية آليات وقوانين وحسب بل باعتبارها قضية تربية وترسيخ ثقافة تنعكس على السلوك والرؤى والممارسات وتندمج في بنية المجتمع وتنتج حضارة ، إلا أن الواقع يعكس حقيقة أن المسألة لم تتجاوز كونها قضية آليات وقوانين ليس إلا ! كيف ذلك ؟
لنتأمل في الكوتا النسائية التي باتت تهتم بتخصيص حصة للمرأة وضمان ايصالها إلى مواقع التشريع وصناعة القرار وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة ليس لأنها جديرة بذلك في كثير من الأحيان بل لأنها امرأة فقط ، و ايصالها إلى مراكز صنع القرار يعني الحد من عمليات الإقصاء والتهميش لها أو ضعف مشاركتها في الحياة ! ولأن هذه الكوتا وجدت فكان يجب أن تستثمر حتى وإن لم تكن تلك المرأة جديرة بهذه الحصة سواء كانت مقعد تحت قبة البرلمان أو عضوية في لجنة تحكيم بمسابقة أهلية ! ما نخلص إليه أن عصر المرأة بات يفرض المرأة في كل صغيرة وكبيرة كانت جديرة بها أو لم تكن . وبهذا تكون المرأة في عصرنا قد وصلت إلى أوج السيادة التي انعكست على كل مناحي الحياة ومنها الأسرة !
الأسرة التي تشكل نواة المجتمع الأولى والتي جاء الاسلام لينظم كيانها بصورة دقيقة لم تأت بها ديانة أخرى فقد اعطى الإسلام الانسان و منه الذكر و الانثي علي مقدار ما اودع جلّ و عزّ في وجوده من القابليّة و كلّف الذّكر و الانثي علي حسب ظرفه و سعة محلّه ، باتت اليوم صنيعة المرأة وحدها تتصرف في حاضرها وتصنع مستقبلها وتتخذ كل القرارات المصيرية فيها ! بتعزيز من كل مؤسسات المجتمع المدني والدولي .
أما الرجل فقد بات عاجزا عن اتخاذ القرار في أبسط الأمور الأسرية وما عليه سوى أن يرمي بالمسئولية التامة والانقياد الأعمى لقرارات المرأة وأن يرضى بالقيام بدور المتفرج على ما يحدث دون أن يكون له دور إيجابي في كل شئون الأسرة الصغيرة أو الكبيرة ، ولم يعد الرجل يجرؤ في الكثير من المجتمعات على تحمل رد فعل عدم توافقه مع قرار المرأة غير السليم والذي أثبتت نسبته دراسة في جامعة «هارفارد» الأميركية إذ أفضت إلى أنه بمعدل 60% من القرارات التي تتخذها النساء في فترات معينة من حياتهنّ تكون خاطئة ومتسرعة !
عاملة كانت أو ربّة منزل باتت المرأة اليوم هي من تقرر من تحب وكيف يتم الزواج وحيثياته ثم متى تنجب وكم من الأبناء ستنجب وكيف ستربي هؤلاء الأبناء وبأي المدارس سيلتحقون وماذا يأكلون وماذا يرتدون وماذا يفعلون ولأي وجهة يسافرون ومتى يتزوجون ومن يتزوجون وأين يسكنون ! إنها نموذج المرأة الحديدية اليوم في عصر المرأة أما الرجل فعادة ما يقوم بدور المباركة لهذه الجهود الحثيثة التي تزيح عن كاهله أعباء ومسئوليات جسيمة، وقد لا يشعر بفداحتها إلا حين يقع في وحل الخسارات الكبرى لتلك القرارات الـ 60 % والتي تأخذها المرأة في لحظة ضعف أو غضب !
ما هي نتائج عصر المرأة ؟؟ نسب طلاق تجاوزت معدلات الزواج ، خيانات زوجية ، وتفشي الاضطرابات النفسية والاضطرابات السلوكية عند الأبناء بعد غياب شبه كلّي للسلطة الأبوية ! {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} .
جمعيات ومنظمات حقوق المرأة اليوم لم يعد من مهامها صناعة حقوق المرأة بل هي اليوم تحصيل حاصل لهذا العصر وهو عصر المرأة ، و لم يعد الرجل قادرا على اتخاذ أي قرار عملي ضد المرأة .. فأنصارها كثر ! و المرأة تستطيع اتخاذ أي قرار مدمّر دون أن يرفّ لها جفن . أما الأبناء فهم الخاسر الأكبر من هذا التفرّد في السلطة للمرأة والإنسحاب الكلي للآباء ، باتوا يكبرون في كنف أباء غائبين رغم حضورهم افتقدوا مصدر الحماية والأمان ، وكثيرا ما غرقوا دون ربان السفينة التي يقودها بفطنته ليحمل أبناءه إلى شواطئ الأمان... ويرسو بهم في برّ الثقافة الفكرية والعلمية .


سأل طفل والده مامعنى كلمة «رجُل»؟
فأجابه الوالد إن «الرجُل» هو الشخص القوي المسؤول عن أبنائه والذي يهتم بأمورهم ويسهر على راحتهم.

 فرد الطفل: أتمنى أن أصبح رجُلاً مثل أمي !

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق