light

light

الأحد، 29 مارس، 2015

كن نفسك


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015

يقول روجرز عالم النفس الأمريكي ومؤسس نظرية الذات السيكولوجي المعاصر أن ( تكون سوي هو أن تكون نفسك) .
وفي ذات المصب تتحدث الأديبة والمحاضرة والناشطة الأمريكية "هيلين كيلر" والتي عدّت إحدى رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها و أحرزت لقب معجزة الإنسانية لمقاومتها لتلك الظروف إذ كانت بمثابة معجزة . كانت تعبّر عن نجاحها وهي تقف على منصّة التكريم في حفل تخرجها ( أنا نجحت لأني كنت نفسي(  .
لماذا يرفض الكثير من الناس ذواتهم في عصرنا اليوم ولا يقبلوا إلا أن يكونوا على غير ما هم عليه ؟ وهل هناك أشقى من الإنسان الذي يودّ دوما أن يكون في صورة وقالب الآخر رافضا لذاته ؟!
لاشكّ في وجود تلك الصورة الذهنية لدى كل فرد عن نفسه ، ولهذه الصورة أهمية كبرى في بناء شخصيته وعلى أساسها تصدر أحكام الفرد عن نفسه وهو ما نعبر عنه بمفهوم الذات والذي يتأثر سلوك الإنسان به لأبعد الحدود. إن أول مصدر لبناء مفهوم ذات إيجابي عند الأفراد هم الوالدان ، فالنظرة الأولى للطفل بعد ولادته واحتضانه بين ذراعي أمّه ، ورعايته الرعاية الكافية وإحاطته بالحب والحنان طوال مراحل نموه هذا أكثر ما يرفد الطفل بمقومات بناء مفهوم ذات إيجابي .
مفهوم الذات الإيجابي ينعكس في تقبل الإنسان لذاته والرضا عنها ، فيتكون عند هؤلاء الأشخاص ترجمة واضحة ومتبلورة للذات يلمسها كل من يكون على صلة بهم ، وتتجلى في أساليب تعاملهم مع الآخرين ، ويرتفع عند هؤلاء تقدير الذات واحترامها ، ويسعون في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية ودورها وأهميتها. الأشخاص الذين يحملون مفهوم ذات ايجابي عن أنفسهم تزداد ثقتهم بقدراتهم واستقلالهم الذاتي ولديهم معرفة جليّة للذات والتبصر بها مما يعبر عن رغبة هؤلاء في أن يكونوا أنفسهم .
وفي حالة حدوث نقص لدى الطفل في حاجاته الأساسية سواء كانت فيزيولوجية أو اجتماعية أو نفسية في مرحلة من مراحل النمو فإن هذا محفز لبناء مفهوم ذات سلبي يظهر جليّا في سوء تكيّف الفرد مع المجتمع و تكون فكرة الانسان عن نفسه غير منتظمة ولا يكون لدى الفرد إحساس بثبات الذات وتكاملها، إذ لا يعرف مواطن الضعف والقوة لديه وقد أشارت العديد من الدراسات لوجود ارتباط وثيق بين مفهوم الذات السلبي والاضطرابات النفسية لا سيما إذا افتقد الانسان القبول التلقائى والحب والعناية بفرديته فى سنوات طفولته المبكرة.
مفهوم الذات السلبي يحفز على ظهور أعراض رفض الذات ، والذي يتمثل في النزوع المستمر لأن يكون الإنسان شيئا آخرا على غير ما هو عليه ، وكثيرا ما يكون هذا الإنسان لا ملامح له سوى أنه مختلف عنا ويمتلك كل ما نفتقد إليه .
تلعب مواقف الطفولة المبكرة في الأسر التي تحرم الأطفال من بناء خبرات شعورية بقبولهم كأفراد لهم قدراتهم وامكانياتهم واعطائهم الفرصة في الاعتماد على أنفسهم ، أو الخبرات التي تتعلق بفقدان الاقتراب الجسمي العاطفي مع الوالدين ، أو تسلط الأبوين أو التوقعات المبالغ فيها عند الأبوين الطموحين كل هذا يلعب دورا في خلق حالة من القلق المفرط في بحث الطفل عن الأمان على حساب بناء خبرات في اشباع حاجات النمو الأساسية كالاحتياجات الاجتماعية والادراكية والذاتية وصولا لتحقيق الذات وبالتالي يبدأ الانسان برفض ذاته .
ولضمان أسس السعادة يوصي الأخصائيون النفسيّون أن يستفيد الإنسان من رغبتين في داخله الأولى هي النزوع لنمذجة سلوك وأفكار الآخرين ، والثانية في الامتناع عن التقليد الأعمى . عندما قرأت كتاب السر والذي عدّ من أكثر الكتب مبيعاً لعام 2006، وهو من تأليف روندا بايرن، وتقوم فكرته على قانون الجذب ( ما تفكّر فيه تحصل عليه ) أدركت حقيقة أهمية ضرورة وجود النموذج الحي في أذهاننا الذي يلهمنا و يحرّضنا على امكانية تحقيق الحلم التي نودّ بلوغه ، لكن هذه النمذجة يجب ألا تحجّم من أنفسنا ضمن إطار التقليد المحدود الذي يلغينا ويجعلنا نسخة أخرى من الآخر لا أقل ولا أكثر .
مرورا عبر التاريخ كانت من أكبر المعوقات التي اعترضت دعوة المبلغين والرسل هو التناسخ الفكري والقوالب الفكرية الجاهزة ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) إن السبيل الوحيد للخروج من هذه القوالب وإيقاف سلسلة هذا التناسخ هو إعمال العقل والتدبّر ولهذا ورد في القرآن الكريم أكثر من 500 آية تدعو للتفكير بمعاني  التدبر والتفقه والنظر و التبصر والتذكر والاعتبار .
التفكير يقودنا لمعرفة جلية لأنفسنا ، لمعرفة ماذا نريد أن نكون عليه ؟ وهذه هي الإجابة المجهولة لدى الكثير من فئات المجتمع . فحين نجهل ما نودّ أن نكون عليه ، سنكون ضحية التقليد الأخرق الذي يجعلنا نكون الآخر بكل أخطائه ومزاجه وأفكاره ، وهذا أكثر ما يواجه شبابنا اليوم . هل جربتم أن تسألوا أبناءكم من أنتم؟ وماذا تريدون أن تكونوا عليه ؟ لقد لاحظت صعوبة الإجابة على هذا السؤال المصيري مع الطلبة على مرّ السنوات وهو ما دفعني مرارا وتكرارا أؤكد على أهمية تضمين مهارات بناء مفهوم ذات إيجابي في منهاج المهارات الحياتية في المدارس ، فيتعرف الأطفال والمراهقون من خلاله على أنفسهم ويدركون بصورة أوضح ما يودون أن يكونوا عليه .
إن أي مطالع لسير مشاهير النجاح وقصص حياتهم من قعر الإخفاق إلى قمم النجاح سيكتشف أن نجاحهم بدأ من حلم ، من قوة التصور والخيال على ما يودّ أن يكون هو عليه ، تلك الصورة الذهنية التي ترسم له نفسه في وضع أفضل مما هو عليه ، وليست الخيالات التي ترسمنا في ثوب الآخر وسلوك وأفكار الآخر وتنتهي بجعلنا نسخة منه فقط !
 إبراهيم الفقي الذي تدرب علي يديه أكثر من 700 ألف شخص في محاضراته التي ألقاها في انحاء العالم بثلاث لغات: "الانجليزيه والفرنسيه والعربيه" ، كان قد عمل بأحد الفنادق الفرنسيه بكندا يغسل الصحون بأجرة بسيطة جدا يقول حينما كنت أسأل من أنا  كنت أجد نفسي مديرا لسلسلة من الفنادق في تلك اللحظات التي كنت أعمل فيها بغسيل صحون الفنادق ، وقد حقق ذلك وأصبح مديرا لعدة فنادق كبرى في مونتريال بكندا!
وليس ببعيد عنا مثال الدكتور أكبر جعفري الرئيس التنفيذي  لجفكون لتحسين الإنتاجية و مستشاروزير التنمية والصناعة "سابقا"، والمدير إداري بألمنيوم البحرين - ألبا "سابقا ،وهو أول بحريني يحاضر في جامعة «كمبريدج» أمام مجموعة من كبار العلماء والباحثين ، يقول كنت أعمل حمّالا في السوق في طفولتي ولم يسنح لي ضنك المعيشة حينها أن أكمل تعليمي ، كنت أقول لزملائي وهم يسخرون مني  أني سأدرس في لندن ، كنت أجد نفسي وأنا أسير في جامعات لندن وأتخيل شكل حقيبتي التي أحملها بيدي . حتى كان له ما أراد إذ حصل د.أكبر على الدكتوراه في الإدارة والاقتصاد من جامعة لندن، والماجستير في الإدارة من بكنغهام، بريطانيا.
كل هؤلاء وسواهم الكثير بدأوا نجاحم لأنهم كانوا أنفسهم بعد أن عرفوا قدراتهم وامكانياتهم ، لأنهم وضعوا أنفسهم في الصورة التي أرادوا أن يكونوا عليها . النجاح هو وليد قوة التصوّر والخيال لما نريد أن نكون عليه ، ولابد لهذا التصور أن يرتبط بحقيقتنا نحن ، بصورتنا نحن ، بإمكانياتنا نحن ، وليس صورة مشوّهة تجمع في ثناياها الآخرين في قوالب لا تكون بمقاسنا أحيانا ! بل غالبا !
لأحد علماء النفس مقولة شهيرة ( إنك أيها الإنسان شئ وحيد في العالم إنك نسيج وحدك فلا الطبيعة عرفت أحد غيرك في الماضي يشبهك ولا هي في المستقبل ستتعرف على شخص يشبهك ) .. إذن فكن نفسك .


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق