light

light

الخميس، 29 أكتوبر، 2015

ضع نفسك مكاني



بقلم انتصار رضي / أكتوبر 2015

قبل أيام أعلن مارك زوكربيرج رجل الأعمال والمبرمج الأميركي، مؤسس موقع الفيس بوك الاجتماعي عن منح موظفيه خدمة اتصال بطيء بالإنترنت كل يوم ثلاثاء، وذلك من أجل مساعدتهم على استيعاب احتياجات المستخدمين في الدول النامية. ونقلت العديد من الوكالات الأخبارية والمجلات والصحف  عن زوكربيرج قوله أن من شأن المبادرة الجديدة التي أطلق عليها اسم "2G Tuesdays" أن توفر اتصال من الجيل الثاني البطيء للغاية بالمقارنة مع السرعة التي يوفرها الجيل الثالث والرابع وذلك بعد أن عكفت الشركة على تعديل فيسبوك وجعله أكثر ملاءمة للشبكات البطيئة، كتلك الموجودة في دول مثل كينيا والهند . وتقوم الشركة في صباح كل يوم ثلاثاء بتوجيه رسالة لجميع موظفي فيسبوك لحثهم على تجربة الاتصال البطيء بالإنترنت لمدة ساعة على الأقل، وهي تجربة ستساعدهم على تحديد الأقسام التي تحتاج إلى تطوير في الموقع وتطبيقاته.
يذكرني هذا بإحدى أدوات حل المشكلات وهي من التقنيات التي تؤكد عليها البرمجة اللغوية العصبية NLP " تقنية مواقع الإدراك "  . تنطلق هذه التقنية من قاعدة أن اتصال الأفراد ببعضهم البعض يتفاوت بين الإيجابية والسلبية نظرا لتباين مواقع الإدراك فيما بينهم . وتهدف هذه التقنية إلى توسعة مداركنا لأمور كثيرة قد لا نستطيع إدراكها ونحن ننظر للمواقف التي نمر بها من زاوية ذاتية لا موضوعية !
يرى الـ NLP أن هذه التقنية تساعد الأفراد على تحقيق اتصال ايجابي فعال وأنها تساهم في عمليات جمع المعلومات بصورة واضحة ، مما يؤدي إلى الإحساس وفهم وجهات نظر الآخرين واستيعاب نقدهم وتحمل آراءهم  . وتؤكد هذه التقنية في حل المشكلات عن طريق ثلاثة مواقع يتقمص دورها الفرد نفسه :
أولا : موقع الذات التي تعكس وجهة نظر الشخص فيرى بعينيه المواقف التي تواجهه ويصف أحاسيسه في هذه الحالة  ، والفرد في هذا الموقع يكون في منطقة اللاوعي فقط فهو يشعر بنفسه لكنه لا يرى ولا يسمع نفسه .
ثانيا : موقع الآخر والذي يعكس وجهة نظر الشخص الأخر فينتقل ليرى بعيني الآخر ويصف رأي الآخر  ، هنا ينتقل الفرد بين مرحلة الوعي واللاوعي حيث يشعر عن الذات يرى ويسمع الذات كما أنه ينتقل إلى الآخر يرى نفسه يتخيلها ويعرف مواقف الآخرين تجاهه.
ثالثا : موقع المراقب إذ  يرى الفرد ما يجري بين الذات و الآخر، و يقرّب وجهات النظر و يجد الحلول المناسبة. في المراقب لدينا وعي فقط فالفرد لا يشعر بالذات ولا في الآخر بل يراهما ويسمعهما ، وهو الموقع الذي كثيرا ما يفض النزاع الدائر بين موقعي الذات والآخر.
تعتمد هذه المهارة بدرجة كبيرة على عملية التخيل وقد تتماس بدرجة قريبة أو بعيدة مع فنية لعب الدور في الإرشاد النفسي والتي سبقت تقنيات البرمجة اللغوية العصبية بكثير . و يعرف لعب الدور في معجم التراث الأمريكي قاموس اللغة الإنجليزية (2002) بأنه:  فنية إرشاد وعلاج نفسي تستهدف تخفيض الصراع المتضمن في المواقف الاجتماعية المختلفة، حيث يمثل أو يؤدي بموجبها المشاركون أدوارا سلوكية معينة لتوسيع وتعميق وعيهم بمختلف وجهات النظر.
سواء كانت في البرمجة أو في الإرشاد النفسي الهدف الأساسي تعديل سلوك وتحقيق اتصال ايجابي فعّال بين الأفراد . تخيلوا لو أننا فعّلنا هذه الفنية في أدوارنا في مختلف مكاناتنا الاجتماعية التي نشغلها كآباء وأمهات وأبناء وأصدقاء وموظفين ... ! كم من المشكلات نستطيع أن نتلافى وقوعها أو تضخمها !
من خلال عملي الإرشادي النفسي والأسري خلال سنوات خلت كانت كثير من المشكلات التي تعبر في ملفاتي تنطلق من تربص الأفراد بمواقع الذات دون تفهم الآخر .. فالأب لا يستطيع أن يعيش شعور المراهق .. والمراهق لا يقدّر مخاوف الأب .. والأم لا تشعر بالطفل لذا لا تتفهم أسباب عناده .. والزوجة لا تعيش في حذاء الزوج ! والمدير لا يتفهم مشاعر موظفيه والموظف لا يدرك ما يفكر فيه مديره من موقعه ، الخادمة وربة البيت ، الطبيب والمريض ، البائع والمشتري ... وهكذا تكون النتيجة فشل عمليات الاتصال بين الأفراد في حين أن الدراسات تؤكد على  85 % من نجاح الفرد  في حياته مرتبط بتمكنه من مهارات الاتصال الفعال و15 % منه فقط تعزى إلى إتقان مهارات أخرى!
بلا شك تحتاج هذه التقنية الوقت اليسير من عمليات التفكير قبل تبيان ردود الأفعال ، لكن التحدي الأكبر اليوم هو عنصر الوقت ...!  من تلك التحديات شبكات التواصل الاجتماعي اليوم  التي احتلت المرتبة الأولى للتواصل في عالمنا الرقمي وباتت لا تتيح للأفراد فرص كافية من التفكير والتخيل للانتقال بين مواقع الإدراك الثلاثة في حل المشكلات .
فالتواصل المباشر سابقا كان يتيح مجال لسماع الآخر والشعور بأحاسيسه وتقبل أفكاره ومناقشته ، أما اليوم مع امكانية النشر المتاحة في صفحات التواصل الاجتماعي سنحت للأفراد فرص التعبير التلقائي السريع عن أفكارهم ، وانفعالاتهم ، ومشاعرهم دون انتقال في تلك المواقع وهو ما انسحب أثره إلى التواصل الواقعي في حياتنا في أسرنا في جماعات العمل والأصدقاء  .
 ولعل هذه التلقائية تفسّر ما كشفت عنه دراسة حديثة  لشركة، هيثر آرمسترونغ أن النشاط الدماغي لدى مستخدمي شبكة التواصل الاجتماعي الشهيرة "تويتر" يرتفع عند نشرهم تغريدات جديدة وذلك في مناطق دماغية مسئولة عن التهيج العاطفي والذاكرة والمشاعر وهذه نفس المناطق التي تتحفز في عمليات الهجوم والدفاع ولحظات الإثارة الجنسية ، مما يعكس معدل الاندفاعية العالي أثناء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومن البديهي في هذه الحالة أن تنتفي فرص الموضوعية في التعبير عن بعض الآراء ...!
بالمقابل ونتيجة لاتساع هذه المساحة الشاسعة في حياتنا الرقمية ، تصدرت الأسر الصامتة في مجتمعاتنا فلا مكان للحوار والتشاور المباشر وجها لوجه ، وهو  ما ساهم بشكل كبير في ضبابية المعلومات التي ترتبط بموقع الآخر .. بل وأحيانا جهل الفرد بمعلومات ترتبط بذاته عوضا عن معرفته للآخر ! 
 اليوم شبكة الفيس بوك تتصدر كأكبر وأوسع شبكة تواصل في العالم إذ ترى مجلة التايم أن زوكربيرغ ساهم بتأسيسه "فيس بوك" في تغيير حياة مئات ملايين البشر والمجتمع بالكامل. وأفاد مدير تحرير "تايم"، ريتشارد ستينغل إن عدد مشتركي "فيس بوك" وصل إلى 500 مليون شخص وقد ساهم الموقع في ربطهم ببعضهم البعض... !
في الوقت الذي تكون فيه شركة الفيس بوك في حذاء 500 مليون مستخدم لشركتها لتطوير خدمات التواصل بينهم .. يبدو أنه من اليسير لنا أن نكون في أحذية من هم أقرب إلينا .. وسط جدران منازلنا .. ! 



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق