light

light

الأحد، 17 مايو، 2015

فاقد الشيء .. يعطيه


لروح والدي التي غادرتنا ولم تغادر ..
بقلم : انتصار رضي / 17 مايو 2015

فاقد الشيء لا يعطيه ... من المقولات الشهيرة التي توارثناها عبر أجيال طويلة و شبّ عليها الصغير وهرم عليها الكبير. وظلّت قاعدة في الكثير من جوانب الحياة ففاقد الحنان لايعطيه ، وفاقد الاهتمام لايهتم ، و فاقد السعادة لايمكنه أن يمنح السعادة لأحد ،، الخ. كانت هذه المقولة ولا زالت مسمار جحا في كثير من الأحيان يبرر القائلون بها عجزهم عن التغيير ، ويعلقون عليها الكثير من أخطائهم وتقصيرهم في بعض واجباتهم الملقاة على عاتقهم إزاء بعض المكانات الاجتماعية التي يشغلونها .
ولعل أكثر تلك الجوانب التي تم تطبيق هذه المقولة فيها هي الجوانب التربوية ، فعلم التربية الذي ظلّ على مرّ العصور يؤكد أن الأسرة هي أهم وحدة اجتماعية تكوّن شخصية الطفل الاجتماعية والثقافية وهي أهم مؤسسة من مؤسسات التنشئة الاجتماعية ، وهي كوحدة حيّة ديناميكية تنشئ الطفل تنشئة اجتماعية و لا يتحقق فيها هذا الهدف إلا من خلال التفاعل العائلي الذي يحدث بين أفرادها . بالتالي فمن البديهي أن الأطفال الذين يكبرون خارج هذا الجو العائلي سيفتقدون إلى الموجّه الأول لسلوكهم والمكوّن الأول لشخصيتهم ، وسيفتقدون الكثير مما تمنحه العائلة ، وأخيرا فلن يقدروا  على منح الآخرين ما افتقدوه ، فـ فاقد الشيء ....لا يعطيه ! وبهذه القاعدة تمت دراسة العديد من الحالات في أروقة مراكز الإرشاد والعلاج الأسري .
قادني هذا إلى اختيار موضوع الأيتام والإبداع في بحث الدكتوراه ، ومفهوم الذات عند أبناء المطلقين في بحث الماجستير . وعلى الرغم من وجود آثار واضحة لليتم أو الطلاق على شخصية الطفل  لم أجد ومن خلال بحثي في تلك الآونة سوى القليل من الدراسات التي تناولت سيكولوجية الطفل تفصيلا خارج المنطلق الديني الذي يبين واجبات المجتمع تجاه هذا الطفل وكيفية التصرف معه . في حين تناولت القليل جدا من الدراسات الخبرات المؤلمة التي تؤثر على سعادة الطفل وهو ما يؤدي بدوره إلى اضطرابات عدة كالقلق،  والخوف ،  أو الاكتئاب  وتكوين مفهوم سلبي عن الذات . لكني حتى هذه الآونة لم أعثر على دراسات تتبعية كافية لأثر اليتم أو الطلاق على شخصية الطفل في زمن لاحق من حيث السلوك و القدرات والصفات والسمات .
وإذا كانت كل الدراسات والأبحاث ومعطيات الواقع تؤكد أن كفة الأسرة ترجح بقوة أمام كل مؤسسات التنشئة الأخرى ، باعتبارها الجماعة الإنسانية الأولى التي يقع على عاتقها توفير قسط كبير من واجب التربية الخلقية والوجدانية والدينية في جميع مراحل الطفولة ، ولا تستطيع أية مؤسسة عامة أن تسد مكان الأسرة في خلق الاتجاهات الاجتماعية الأولى للطفل وتزويده بالعواطف وبناء شبكة العلاقات الاجتماعية والأطر الثقافية التي ينمو فيها ! إذا فكيف استطاع بعض الأيتام العصاميين أن يبنوا أنفسهم بأنفسهم وينجحوا في حياتهم الاجتماعية وفي بناء أسرهم ؟!  كوالدي مثلا !
والدي الذي يصادف اليوم السابع عشر من مايو ذكرى رحيله ، الرجل الاستثنائي الذي يحق لي أن أطلق عليه مصطلح SELF-MADE أي كوّن نفسه بنفسه دون مساعدة أهل أو مال أو جاه او نفوذ.
والدي الفقيراليتيم الذي جاء لهذه الحياة ولم يتحسس في طفولته تقاسيم وجه  أمّه ولم يجرّب نبرات صوت أبيه وهو يعانقه أو يعنّفه . كان أبي رحمه الله يروي لنا قصص طفولته يتيما ينام مشرّدا وحيدا في الحقول والمزارع حيث لا من موجّه لسلوكه سوى التأمل في هذا الفضاء الكبير الشاسع الذي كان يقطعه ببصره كل ليله .
كان والدي محبّا للعلم ، رغم أنه ولد وعاش طفولته أميّا لا يقرأ ولا يكتب . وظلّ يحثنا على حب العلم منذ طفولتنا ، ويصرّ على إكمال تعليمنا للمراحل العليا ، كان يعتبر عدم إكمال التعليم هو المسئول عن الفقر والجهل والعادات المتخلفة في القرية . وكثيرا ما كان يردد أن العلم يحرس أموالكم فلا تجعلوها بلا حارس. غرس حبّ العلم فينا منذ الطفولة فلا ينادينا سوى بـ يا معلم يا طبيب يا مهندس يا مدير .. وفي الستينات كانت له بادرة في تكريم أخوتي كل سنة مثلما تقيم المؤسسات الان حفلات تكريم المتفوقين ، ففي كل عام بعد انتهاء العام الدراسي يقيم في مجلس منزلنا حفلا صغيرا يدعو فيه جميع مدرسي القرية آنذاك لإلقاء الكلمات في الحث على العلم ثم يقوم بتوزيع الهدايا على أخوتي .
كان حريصا جدا على نتائجنا وتفوقنا ولا يرتضي سوى أن نتصدر لوائح الشرف . كان دائما ما يقلب المعادلات فعوضا عن أن يفخر الأبناء بأبيهم كان دوما يفتخر بنا جميعا في كل محفل للدرجة التي كان أصحابه يقولون " كأنّ ما في غيره جاب أولاد " ومن حرصه على التعليم فقد ضمّ أخواتي إلى المدارس في الآونة التي كان فيها تعليم البنات من المحرمات ، ورغم تعرضهن للكثير من الأذى إلا أنه كان يقف بصلابة واصرار خلفهن يحثهن على الصبر.
لم يركن أبي لأميّته بل سعى للعلم وكانت أمّي مفتاح تعليمه ، فقد تزوجها وهي حافظة للقرآن فطلب منها أن تعلّمه القرآن وكانت تلك بداية مسيرة التعليم لأبي .  أخذ أبي بعدها يقرأ القرآن بمفرده مع بعض الأخطاء وظل يختمه ويعود ويختمه ويعود حتى أتقنه.ثم انتظم في مجالس القرآن في شهر رمضان وكان لها الأثر الكبير في تعليمه ترتيل القرآن . بعدها التحق أبي بمدرسة محو الأمية للصف السادس حتى أتقن الكتابة بالعربية أما اللغة الانجليزية فقد تعلمها بعد انضمامه للعمل في شركة نفط البحرين ( بابكو ) . وهكذا أخذ أبي يقرأ ويقرأ ويقرأ ويعلمنا اللغة السليمة والألفاظ المهذبة ، فكل كلمات أهل الحي الدارجة لم تجرِ على ألسنتنا . كان أبي يتحدث اللغة العربية الفصحى في غالب أوقاته ولعل هذا سرّ تميزنا بالطلاقة اللغوية والشعر والأدب ، وكان سرّ لغته تلك قراءة القرآن والأذكار بشكل دائم .
أكثر ما أذكره من حياة أبي تقواه وعبادته ، فقد كان يحافظ على أداء الصلاة في أوقات الفضيلة ويوقظنا فجرا للصلاة وهو يقول : " قوموا يا أولادي للصلاة من ضيّع على الله أوقاته ضيّع الله عليه أوقاته " ، ويعرف الجيران صوته الذي كان مجلجلا في قراءة القرآن فجر كل يوم . لا أستطيع حتى هذا اليوم نسيان صورة أبي ساجدا باكيا في صلاة الليل تاليا للقرآن بخشوع ودموعه تتحادر على وجنتيه. كان حريصا على تربيتنا دينيا فكان يأخذ بيد أخوتي لصلاة الجمعة في منطقة عالي خلف سماحة الشيخ ابراهيم رحمه الله ماشيا حتى محطة النقل العام ، أما في الأيام الفضيلة كليالي القدر فكان يجمعنا جميعا صغيرنا وكبيرنا ويؤدي معنا أعمال تلك الليالي خاشعا متبتلا لله عزوجل . كان كثير الصيام والقيام حتى أننا لم نجتمع معه يوما على مائدة إفطار لكثرة تهجده في شهر رمضان ، وبعد صيامه يكتفي بالقليل من الطعام الذي لا يثقله عن إحياء تلك الليالي المباركة .
كانت الأسرة تشكل محورا هاما في كثير من مفاصل حياة أبي ، وعلى رأس أفرادها أمي ، ففي صبيحة كل يوم يذكرنا بأفضال أمي وتضحياتها لأجلنا ويمتدحها أمامنا ، ويعبر لنا عن مشاعره اتجاهها بعناق أو تقبيل دون خجل ويجد في ذلك المعنى الحقيقي للرجولة. كان منهج أبي في التربية " كونوا دعاة لنا بغير ألسنتكم " لازلت أذكر كيف شاركني تفاصيل طفولتي ونجاحي وتميزي وأحلامي وطموحي .. رغم السنوات الممتدة بيني وبينه إلا أنه لم تغف لي عين في صباي إلا وقد قضى معي أكثر من ساعتين متتاليتين في حكاية قبل النوم تسمّى آنذاك "الخرّافة" وبعد أن ينتهي يطلب مني أن أقول قصة جديدة من خيالي وينصت لها باهتمام شديد ثم يضمنا أنا وأختي الصغرى قبل النوم ويطلب منا قراءة سور من القرآن الكريم ويعاود هذه السيرةفي الليلة التي تليها دون سأم أو كلل. كان حريصا على تأدية واجباته الأسرية و لم يترك أبي واجباته كرجل البيت حتى وهو مريض بلا صوت والسرطان بدأ ينهش من قوة جسده ما تبقى ، يطلب من أحد أخوتي أن يسنده لكتفه ويحمله للسوق ليحضر حاجات البيت بنفسه .
كان دوما يرسم صورته الرجل التقدمي المتطور الذي يسبق جيله ويلتفت إلى حركة الأشياء من حوله ويعرف أن الزمن يتغير وعلى الإنسان أن يؤمن بحركة الزمن . كان أبي دائما صاحب نظرة مستقبلية ويحب التميز والاختلاف عن الآخرين فكان يجلب لأخوتي ما لم يعتد الآخرون بعد على لبسه واستعماله من أدوات وملابس . كان أول من ترك عادة الرجال في حلق شعورهم كاملة وكان يهتم بمظهره وقماش ثيابه وطريقة تفصال ثوبه . وهو وأول من بنى منزلا في منطقة توبلي الجديدة بمواصفات جديدة ، ومن أوائل من اشترى المذياع والتلفاز للمنزل حين كانت تلك الأشياء من المحرمات .
كان والدي يقدّس المرأة تقدسيا عظيما ، ظهر هذا جليا في تربيتنا فلم يكن والدي يتبنى فكرة أن الفتاة تخدم أخوتها الذكور ، بل على العكس كان ينظر لنا كأميرات وعلى الذكور خدمتنا فيما نريد  ولا يتورع أبي عن أداء بعض المهام المنزلية ، فهو يجيد الطبخ ويجيد غسيل الملابس وغسيل الأواني ولا يجد حرجا في أداء أي من تلك المهام إلا أن أمّي كانت لها وجهة نظر مغايرة تحول دون السماح له بأداء مهامها .
كان والدي قويّ الإرادة يفعل ما يريد ، وكان مصداقا للرجل الذي يغيّر الظروف كيفما شاء  ولا يترك لها فرصة لتغييره كما أرادت . فبالرغم من إدمانه للتدخين و الذي كان يستهلك طاقته وصحته وماله ، وبالرغم من هيمنة السيجارة عليه إلا أنه حين أراد أن يتوقف عن هذه العادة فعل ذلك فجأة ودون سابق إنذار ودون تمهيد ولم يعد للتدخين في لحظة ضعف أمام سيجارته التي رافقها خمسين عاما . يعرف والدي نفسه جيدا ويثق بإمكانياته وقدراته ويثق أنه متى ما أراد اقتطاف النجوم من السماء فلن يثنيه بعد المسافة .

لقد أورثنا رحمه الله حبّ الناس وخدمتهم ، حبّ العطاء وحبّ الفقراء ، حبّ العلم وحب العمل ، حب النقاش  والترفع عن الخلافات وإمساك العصا من المنتصف والتوفيق بين المتناقضات .. من أجمل ما فيه كلّ ما فيه .. فطبت من أبّ أعطانا كل ما فقده ..وأجزل العطاء !..  

الثلاثاء، 12 مايو، 2015

رجلٌ مثل أمّي


بقلم : انتصار رضي / مايو 2015

في الأسطورة السومرية ( الأم ) :
الشمس ذهبت لتنام، النهار انقضى،
فيما أنت في السرير تحدقين فيه،
فيما أنت تمسدين الرّب،
فيما أنت تمنحينه الحياة،
امنحي الرب الصولجان والمحجن !!


في المجتمعات البدائية كان النشاط الاقتصادي الأبرز الذي تمارسه جماعات عديدة هو الصيد والرعي . و آنذاك كانت الأحوال البيئية الصعبة تفرض على سكان المجتمع البدائي التنقل والترحال بحثا عن الفريسة، إذ كان من النادر أن تقيم المجموعة في مكان ما لمدة تتجاوز الأربعة أشهر . حرصت المجموعات البدائية بتلك الآونة لاستثمار الحيوان بشكل تام تقريباً بعد أن عرفوا إمكانية الاستفادة منه لتحقيق معيشة أفضل . وبناء على هذه الظروف المعيشية القاسية فقد كان الرجل هو من يتصدى لمهنة الصيد والرعي ، وكانت المجتمعات البدائية آنذاك تعدّ الشباب للإنتقال لمرحلة الرجولة في طقوس قاسية جدا تجعله يستطيع الاعتماد على نفسه في قوت يومه ، والكشف عن قدرته في مواجهة الصعاب وتحمل المخاطر .
كان الرجل هو سيّد المشهد من ناحية اقتصادية واجتماعية خاصة بعد كل تلك الممارسات والطقوس القاسية التي قد تصل أحيانا إلى نزع أسنانه وتشويه وجهه  بغية قياس قدرته على احتمال الصعاب . في حين لم تكن المرأة في بقعة الضوء في تلك الآونة بل كانت مملوكة للرجال يتصرفون بها كيفما شاؤوا ، و كان كل ما عليها آنذاك هو الدفاع عن العائلة والأطفال بالإضافة إلى مسئولية حمل الطفل في رحمها لتسعة أشهر والإنجاب وإرضاعه .
ومع بداية عصر الزراعة حين بدأ الإنسان يفكر في البقاء بموطنه عوضا عن التنقل والترحال الذي كان ديدنه في عهد الرعي والصيد ، فبذر بذرة سقط عليها المطر فاخضرّت وأينعت وجاءت بالثمر الذي استخدمه لطعامه وعلفا لماشيته ، هذا العمل كان يستلزم الكثير من الأيدي العاملة للحرث والحصاد وهنا برز دورا واضحا للمرأة داخل وخارج بيتها ، فكانت المرأة تعمل عملا دؤوبا في الحقل بالإضافة إلى مهماتها المنزلية التي احتفظت بها على مر العصور.
استقرار الإنسان في العهد الزراعي أدى للمزيد من الإنجاب وتضاعف المسئوليات اتجاه بناء القرى والأرياف والتوسع فيها ، ولعل تحمّل المرأة المزيد من الأعباء جعلها تبرز  قوية مسيطرة رغم وقوعها تحت سلطة القوانين التي اغتصبت حقوقها الانسانية قبالة ما كانت تقدّمه من تضحيات وكفاح مستمر ، إلا أن امرأة هذا العصر التي شكّلت محورا هاما في النشاط الاقتصادي الزراعي بقيت جبّارة و استطاعت أن تملك الرجل وتخضعه لسلطتها في الكثير من المجتمعات .
مع نهاية العصر الزراعي وبداية الثورة الصناعية وبناء المعامل التي كانت محور القوة الاقتصادية آنذاك ، عاد الرجل للسيادة كربّ عمل من جديد ، رغم الحاجة إلى المرأة في الأيدي العاملة إلا أن المصانع استغلت غالبية الطبقات  الفقيرة للعمل بأجور زهيدة وكان نصيب المرأة الأكبر في هذا الاستغلال ، إذ بقيت تعمل في ظروف عمل قاسية وتحافظ في ذات الآونة على أمومتها وأدوارها المنزلية . ومع تراكم سنوات التعسف والاستغلال للعمال والطبقات الفقيرة من جانب و تفاقم اشتداد الضغط على العمال في المصانع تبلورت الثورة التي شاركت فيها المرأة للمطالبة بحقوقها الإنسانية ، و تصاعدت وتيرة تلك المطالبات التي انتهت بالكثير من العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية و التي أقرّت باعتبار حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان ، وإذ ذاك بدأت المرأة تعود للصدارة من جديد !
ومنذ تلك الآونة وبصورة تصاعدية بدأت كلمة " المرأة " الشمّاعة التي تبرهن بها الدول ديموقراطيتها من خلال سعيها الحثيث لإيصال المرأة لعصرها الذهبي !  فولدت منظمات المجتمع المدني لتطالب بوجود المرأة في مواقع صنع القرار وتثبيت الكوتا دستوريا في الكثير من الدول التي همشت المرأة ولم تبادر بتمكينها . وساهمت تلك المنظمات بشكل كبير في القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا ، فالمنح المالية تصرف من أجل صناعة المرأة رائدة أعمال ، والمؤتمرات تدار حول إبراز المرأة كمبدعة ، والاتفاقيات توقع من أجل حماية المرأة من العنف ، والأموال تصرف من أجل إيصال المرأة إلى قبّة البرلمان حتى حاصرتنا أحزاب للمرأة ، جمعيات للمرأة ، منظمات للمرأة ، مجلس أعلى للمرأة ، اتفاقيات للمرأة ، مؤتمرات للمرأة ، مواثيق دولية للمرأة .. حتى بدأ عصر المرأة .. المرأة وحسب !
وإن سعت تلك الجهود لتحقيق الأبعاد الاستراتيجية للنهوض بحقوق المرأة ليس باعتبارها قضية آليات وقوانين وحسب بل باعتبارها قضية تربية وترسيخ ثقافة تنعكس على السلوك والرؤى والممارسات وتندمج في بنية المجتمع وتنتج حضارة ، إلا أن الواقع يعكس حقيقة أن المسألة لم تتجاوز كونها قضية آليات وقوانين ليس إلا ! كيف ذلك ؟
لنتأمل في الكوتا النسائية التي باتت تهتم بتخصيص حصة للمرأة وضمان ايصالها إلى مواقع التشريع وصناعة القرار وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة ليس لأنها جديرة بذلك في كثير من الأحيان بل لأنها امرأة فقط ، و ايصالها إلى مراكز صنع القرار يعني الحد من عمليات الإقصاء والتهميش لها أو ضعف مشاركتها في الحياة ! ولأن هذه الكوتا وجدت فكان يجب أن تستثمر حتى وإن لم تكن تلك المرأة جديرة بهذه الحصة سواء كانت مقعد تحت قبة البرلمان أو عضوية في لجنة تحكيم بمسابقة أهلية ! ما نخلص إليه أن عصر المرأة بات يفرض المرأة في كل صغيرة وكبيرة كانت جديرة بها أو لم تكن . وبهذا تكون المرأة في عصرنا قد وصلت إلى أوج السيادة التي انعكست على كل مناحي الحياة ومنها الأسرة !
الأسرة التي تشكل نواة المجتمع الأولى والتي جاء الاسلام لينظم كيانها بصورة دقيقة لم تأت بها ديانة أخرى فقد اعطى الإسلام الانسان و منه الذكر و الانثي علي مقدار ما اودع جلّ و عزّ في وجوده من القابليّة و كلّف الذّكر و الانثي علي حسب ظرفه و سعة محلّه ، باتت اليوم صنيعة المرأة وحدها تتصرف في حاضرها وتصنع مستقبلها وتتخذ كل القرارات المصيرية فيها ! بتعزيز من كل مؤسسات المجتمع المدني والدولي .
أما الرجل فقد بات عاجزا عن اتخاذ القرار في أبسط الأمور الأسرية وما عليه سوى أن يرمي بالمسئولية التامة والانقياد الأعمى لقرارات المرأة وأن يرضى بالقيام بدور المتفرج على ما يحدث دون أن يكون له دور إيجابي في كل شئون الأسرة الصغيرة أو الكبيرة ، ولم يعد الرجل يجرؤ في الكثير من المجتمعات على تحمل رد فعل عدم توافقه مع قرار المرأة غير السليم والذي أثبتت نسبته دراسة في جامعة «هارفارد» الأميركية إذ أفضت إلى أنه بمعدل 60% من القرارات التي تتخذها النساء في فترات معينة من حياتهنّ تكون خاطئة ومتسرعة !
عاملة كانت أو ربّة منزل باتت المرأة اليوم هي من تقرر من تحب وكيف يتم الزواج وحيثياته ثم متى تنجب وكم من الأبناء ستنجب وكيف ستربي هؤلاء الأبناء وبأي المدارس سيلتحقون وماذا يأكلون وماذا يرتدون وماذا يفعلون ولأي وجهة يسافرون ومتى يتزوجون ومن يتزوجون وأين يسكنون ! إنها نموذج المرأة الحديدية اليوم في عصر المرأة أما الرجل فعادة ما يقوم بدور المباركة لهذه الجهود الحثيثة التي تزيح عن كاهله أعباء ومسئوليات جسيمة، وقد لا يشعر بفداحتها إلا حين يقع في وحل الخسارات الكبرى لتلك القرارات الـ 60 % والتي تأخذها المرأة في لحظة ضعف أو غضب !
ما هي نتائج عصر المرأة ؟؟ نسب طلاق تجاوزت معدلات الزواج ، خيانات زوجية ، وتفشي الاضطرابات النفسية والاضطرابات السلوكية عند الأبناء بعد غياب شبه كلّي للسلطة الأبوية ! {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} .
جمعيات ومنظمات حقوق المرأة اليوم لم يعد من مهامها صناعة حقوق المرأة بل هي اليوم تحصيل حاصل لهذا العصر وهو عصر المرأة ، و لم يعد الرجل قادرا على اتخاذ أي قرار عملي ضد المرأة .. فأنصارها كثر ! و المرأة تستطيع اتخاذ أي قرار مدمّر دون أن يرفّ لها جفن . أما الأبناء فهم الخاسر الأكبر من هذا التفرّد في السلطة للمرأة والإنسحاب الكلي للآباء ، باتوا يكبرون في كنف أباء غائبين رغم حضورهم افتقدوا مصدر الحماية والأمان ، وكثيرا ما غرقوا دون ربان السفينة التي يقودها بفطنته ليحمل أبناءه إلى شواطئ الأمان... ويرسو بهم في برّ الثقافة الفكرية والعلمية .


سأل طفل والده مامعنى كلمة «رجُل»؟
فأجابه الوالد إن «الرجُل» هو الشخص القوي المسؤول عن أبنائه والذي يهتم بأمورهم ويسهر على راحتهم.

 فرد الطفل: أتمنى أن أصبح رجُلاً مثل أمي !