light

light

الثلاثاء، 12 مايو 2015

رجلٌ مثل أمّي


بقلم : انتصار رضي / مايو 2015

في الأسطورة السومرية ( الأم ) :
الشمس ذهبت لتنام، النهار انقضى،
فيما أنت في السرير تحدقين فيه،
فيما أنت تمسدين الرّب،
فيما أنت تمنحينه الحياة،
امنحي الرب الصولجان والمحجن !!


في المجتمعات البدائية كان النشاط الاقتصادي الأبرز الذي تمارسه جماعات عديدة هو الصيد والرعي . و آنذاك كانت الأحوال البيئية الصعبة تفرض على سكان المجتمع البدائي التنقل والترحال بحثا عن الفريسة، إذ كان من النادر أن تقيم المجموعة في مكان ما لمدة تتجاوز الأربعة أشهر . حرصت المجموعات البدائية بتلك الآونة لاستثمار الحيوان بشكل تام تقريباً بعد أن عرفوا إمكانية الاستفادة منه لتحقيق معيشة أفضل . وبناء على هذه الظروف المعيشية القاسية فقد كان الرجل هو من يتصدى لمهنة الصيد والرعي ، وكانت المجتمعات البدائية آنذاك تعدّ الشباب للإنتقال لمرحلة الرجولة في طقوس قاسية جدا تجعله يستطيع الاعتماد على نفسه في قوت يومه ، والكشف عن قدرته في مواجهة الصعاب وتحمل المخاطر .
كان الرجل هو سيّد المشهد من ناحية اقتصادية واجتماعية خاصة بعد كل تلك الممارسات والطقوس القاسية التي قد تصل أحيانا إلى نزع أسنانه وتشويه وجهه  بغية قياس قدرته على احتمال الصعاب . في حين لم تكن المرأة في بقعة الضوء في تلك الآونة بل كانت مملوكة للرجال يتصرفون بها كيفما شاؤوا ، و كان كل ما عليها آنذاك هو الدفاع عن العائلة والأطفال بالإضافة إلى مسئولية حمل الطفل في رحمها لتسعة أشهر والإنجاب وإرضاعه .
ومع بداية عصر الزراعة حين بدأ الإنسان يفكر في البقاء بموطنه عوضا عن التنقل والترحال الذي كان ديدنه في عهد الرعي والصيد ، فبذر بذرة سقط عليها المطر فاخضرّت وأينعت وجاءت بالثمر الذي استخدمه لطعامه وعلفا لماشيته ، هذا العمل كان يستلزم الكثير من الأيدي العاملة للحرث والحصاد وهنا برز دورا واضحا للمرأة داخل وخارج بيتها ، فكانت المرأة تعمل عملا دؤوبا في الحقل بالإضافة إلى مهماتها المنزلية التي احتفظت بها على مر العصور.
استقرار الإنسان في العهد الزراعي أدى للمزيد من الإنجاب وتضاعف المسئوليات اتجاه بناء القرى والأرياف والتوسع فيها ، ولعل تحمّل المرأة المزيد من الأعباء جعلها تبرز  قوية مسيطرة رغم وقوعها تحت سلطة القوانين التي اغتصبت حقوقها الانسانية قبالة ما كانت تقدّمه من تضحيات وكفاح مستمر ، إلا أن امرأة هذا العصر التي شكّلت محورا هاما في النشاط الاقتصادي الزراعي بقيت جبّارة و استطاعت أن تملك الرجل وتخضعه لسلطتها في الكثير من المجتمعات .
مع نهاية العصر الزراعي وبداية الثورة الصناعية وبناء المعامل التي كانت محور القوة الاقتصادية آنذاك ، عاد الرجل للسيادة كربّ عمل من جديد ، رغم الحاجة إلى المرأة في الأيدي العاملة إلا أن المصانع استغلت غالبية الطبقات  الفقيرة للعمل بأجور زهيدة وكان نصيب المرأة الأكبر في هذا الاستغلال ، إذ بقيت تعمل في ظروف عمل قاسية وتحافظ في ذات الآونة على أمومتها وأدوارها المنزلية . ومع تراكم سنوات التعسف والاستغلال للعمال والطبقات الفقيرة من جانب و تفاقم اشتداد الضغط على العمال في المصانع تبلورت الثورة التي شاركت فيها المرأة للمطالبة بحقوقها الإنسانية ، و تصاعدت وتيرة تلك المطالبات التي انتهت بالكثير من العهود والمواثيق والاتفاقيات الدولية و التي أقرّت باعتبار حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان ، وإذ ذاك بدأت المرأة تعود للصدارة من جديد !
ومنذ تلك الآونة وبصورة تصاعدية بدأت كلمة " المرأة " الشمّاعة التي تبرهن بها الدول ديموقراطيتها من خلال سعيها الحثيث لإيصال المرأة لعصرها الذهبي !  فولدت منظمات المجتمع المدني لتطالب بوجود المرأة في مواقع صنع القرار وتثبيت الكوتا دستوريا في الكثير من الدول التي همشت المرأة ولم تبادر بتمكينها . وساهمت تلك المنظمات بشكل كبير في القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة وتمكينها سياسيا واقتصاديا ، فالمنح المالية تصرف من أجل صناعة المرأة رائدة أعمال ، والمؤتمرات تدار حول إبراز المرأة كمبدعة ، والاتفاقيات توقع من أجل حماية المرأة من العنف ، والأموال تصرف من أجل إيصال المرأة إلى قبّة البرلمان حتى حاصرتنا أحزاب للمرأة ، جمعيات للمرأة ، منظمات للمرأة ، مجلس أعلى للمرأة ، اتفاقيات للمرأة ، مؤتمرات للمرأة ، مواثيق دولية للمرأة .. حتى بدأ عصر المرأة .. المرأة وحسب !
وإن سعت تلك الجهود لتحقيق الأبعاد الاستراتيجية للنهوض بحقوق المرأة ليس باعتبارها قضية آليات وقوانين وحسب بل باعتبارها قضية تربية وترسيخ ثقافة تنعكس على السلوك والرؤى والممارسات وتندمج في بنية المجتمع وتنتج حضارة ، إلا أن الواقع يعكس حقيقة أن المسألة لم تتجاوز كونها قضية آليات وقوانين ليس إلا ! كيف ذلك ؟
لنتأمل في الكوتا النسائية التي باتت تهتم بتخصيص حصة للمرأة وضمان ايصالها إلى مواقع التشريع وصناعة القرار وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة ليس لأنها جديرة بذلك في كثير من الأحيان بل لأنها امرأة فقط ، و ايصالها إلى مراكز صنع القرار يعني الحد من عمليات الإقصاء والتهميش لها أو ضعف مشاركتها في الحياة ! ولأن هذه الكوتا وجدت فكان يجب أن تستثمر حتى وإن لم تكن تلك المرأة جديرة بهذه الحصة سواء كانت مقعد تحت قبة البرلمان أو عضوية في لجنة تحكيم بمسابقة أهلية ! ما نخلص إليه أن عصر المرأة بات يفرض المرأة في كل صغيرة وكبيرة كانت جديرة بها أو لم تكن . وبهذا تكون المرأة في عصرنا قد وصلت إلى أوج السيادة التي انعكست على كل مناحي الحياة ومنها الأسرة !
الأسرة التي تشكل نواة المجتمع الأولى والتي جاء الاسلام لينظم كيانها بصورة دقيقة لم تأت بها ديانة أخرى فقد اعطى الإسلام الانسان و منه الذكر و الانثي علي مقدار ما اودع جلّ و عزّ في وجوده من القابليّة و كلّف الذّكر و الانثي علي حسب ظرفه و سعة محلّه ، باتت اليوم صنيعة المرأة وحدها تتصرف في حاضرها وتصنع مستقبلها وتتخذ كل القرارات المصيرية فيها ! بتعزيز من كل مؤسسات المجتمع المدني والدولي .
أما الرجل فقد بات عاجزا عن اتخاذ القرار في أبسط الأمور الأسرية وما عليه سوى أن يرمي بالمسئولية التامة والانقياد الأعمى لقرارات المرأة وأن يرضى بالقيام بدور المتفرج على ما يحدث دون أن يكون له دور إيجابي في كل شئون الأسرة الصغيرة أو الكبيرة ، ولم يعد الرجل يجرؤ في الكثير من المجتمعات على تحمل رد فعل عدم توافقه مع قرار المرأة غير السليم والذي أثبتت نسبته دراسة في جامعة «هارفارد» الأميركية إذ أفضت إلى أنه بمعدل 60% من القرارات التي تتخذها النساء في فترات معينة من حياتهنّ تكون خاطئة ومتسرعة !
عاملة كانت أو ربّة منزل باتت المرأة اليوم هي من تقرر من تحب وكيف يتم الزواج وحيثياته ثم متى تنجب وكم من الأبناء ستنجب وكيف ستربي هؤلاء الأبناء وبأي المدارس سيلتحقون وماذا يأكلون وماذا يرتدون وماذا يفعلون ولأي وجهة يسافرون ومتى يتزوجون ومن يتزوجون وأين يسكنون ! إنها نموذج المرأة الحديدية اليوم في عصر المرأة أما الرجل فعادة ما يقوم بدور المباركة لهذه الجهود الحثيثة التي تزيح عن كاهله أعباء ومسئوليات جسيمة، وقد لا يشعر بفداحتها إلا حين يقع في وحل الخسارات الكبرى لتلك القرارات الـ 60 % والتي تأخذها المرأة في لحظة ضعف أو غضب !
ما هي نتائج عصر المرأة ؟؟ نسب طلاق تجاوزت معدلات الزواج ، خيانات زوجية ، وتفشي الاضطرابات النفسية والاضطرابات السلوكية عند الأبناء بعد غياب شبه كلّي للسلطة الأبوية ! {وَلَيْسَ الذكر كالأنثى} .
جمعيات ومنظمات حقوق المرأة اليوم لم يعد من مهامها صناعة حقوق المرأة بل هي اليوم تحصيل حاصل لهذا العصر وهو عصر المرأة ، و لم يعد الرجل قادرا على اتخاذ أي قرار عملي ضد المرأة .. فأنصارها كثر ! و المرأة تستطيع اتخاذ أي قرار مدمّر دون أن يرفّ لها جفن . أما الأبناء فهم الخاسر الأكبر من هذا التفرّد في السلطة للمرأة والإنسحاب الكلي للآباء ، باتوا يكبرون في كنف أباء غائبين رغم حضورهم افتقدوا مصدر الحماية والأمان ، وكثيرا ما غرقوا دون ربان السفينة التي يقودها بفطنته ليحمل أبناءه إلى شواطئ الأمان... ويرسو بهم في برّ الثقافة الفكرية والعلمية .


سأل طفل والده مامعنى كلمة «رجُل»؟
فأجابه الوالد إن «الرجُل» هو الشخص القوي المسؤول عن أبنائه والذي يهتم بأمورهم ويسهر على راحتهم.

 فرد الطفل: أتمنى أن أصبح رجُلاً مثل أمي !

الأحد، 19 أبريل 2015

أحبّيني بلا عقدٍ


بقلم : انتصار رضي / أبريل 2015

مواقع التواصل الاجتماعي أو منظومات الشبكات الالكترونية التي باتت الشغل الشاغل للكثير من الدراسات والأبحاث ، لاسيّما فيما يتعلق بالخصوصية والهوية التي تدخلت تلك الشبكات في بنائها وتشكيلها من جديد . تسمح هذه المواقع للفرد بإنشاء قناته الخاصة به ومن ثم ربطها من خلال نظام إجتماعي إلكتروني مع أعضاء آخرين لديهم نفس الإهتمامات والهوايات ، أو جمعه مع مختلف الأصدقاء والأقارب . كانت أولى المحاولات لهذه المنظومات في أواخر التسعينات بغرض الربط بين زملاء الدراسة إلا أنها فشلت لعدم جدواها الاقتصادية. وتلتها تجارب أخرى كان أكثرها بروزا وانتشارا الفيس بوك الذي يعتقد حالياً أن عدد مستخدميه يتجاوز 800 مليون مستخدم على مستوى العالم !!
تمُت هذه المواقع لمفهوم بناء المجتمعات بصلة وثيقة ، إذ باتت تضم مجموعة من الممارسات الموجّهة نحو خلق وتعزيز الحس الجماعي بين الأفراد من ذوي الاهتمامات المشتركة ، وغالبا ما باتت تنتقل تلك الممارسات من حيزها في الفضاء الالكتروني إلى الفضاء الفيزيقي الواقعي من أنشطة ترفيهية ، أو تأسيس جمعيات ثقافية ، و نوادي قراءة ...وغيرها في محاولة لإلغاء الحدود الجغرافية و الجندريّة بين منتسبيها.
لعل من أبرز ما نجحت فيه هذه المواقع هو تقريب المسافات بين القارات ، إذ لعبت دورا محوريا في التقريب بين الشعوب والثقافات بصورة عامة، وتوثيق العلاقات بين العالمين العربي والغربي بصورة خاصة. بل وما هو أبعد من هذا التلاقح ، فليس ببعيد عنا كيف لعبت أيادي الفيس بوك في احداثيات ثورات الربيع العربي ،  وكيف أصبح برنامج المحادثات "واتس آب" الأكثر شيوعًا بين سكان الكرة الأرضية ذكورًا أو إناثًا وبات رافدا مهما في بناء المشهد الثقافي في الكثير من المجتمعات .والأخطر من ذلك تأثيره في بناء منظومة القيم وتوجيه سلوك أفراد المجتمعات ، إذ بات الـ "واتس آب" أحيانا المصدر الأول للمبادئ والتعاليم والضوابط الأخلاقية التي تحدد سلوك الأفراد وترسم لهم الواجبات الحياتية وأدوارهم في المجتمع .
ومن أخطر تلك الأدوار والعلاقات التي بات للـ "واتس آب" أيادي في تشكيلها هي العلاقة بين الزوجين في الأسر الخليجية ، في لغة لا تخلو من التهكم و السخرية على الرجل الخليجي المتبلد المشاعر ، والمرأة الخليجية الغبية .
" أبو سروال وفانيلة " مصطلح ابتكرته وأشاعته قنوات التواصل الاجتماعي للرجل السعودي وامتد للبلدان الخليجية  بعد أن أثبتت الدراسات إن 60% من السعوديين يتحركون في بيوتهم طوال اليوم بـ"السروال والفنيلة" على الرغم من كونهم كما يشاع سابع شعوب العالم في الصرف على آخر الصيحات في الملابس ولوازم التجميل والأناقة ! وعلى الرغم من أن " أبو سروال وفنيلة " تم ابتعاثه للخارج وحظى بأعلى الشهادات الأكاديمية واعتلى أفضل المناصب إلا أنه مازال مثار سخرية الفتاة وإن كان على سبيل الدعابة فقط.
ولم يكن حال الفتاة الخليجية أفضل من شريكها الرجل إذا كانت ضحية لحرب الكترونية كوميدية مضادة روّجت لـمصطلح " أم الركب السود / أم المشمر " بمختلف الوسائل والأساليب .  هذه الحملات الكوميدية باتت الآن وعبر قنوات التواصل الاجتماعي - الـ "واتس آب" أولا – باتت تلبس الكثير من الشباب نظاراتها ليشاهدوا أنماط العلاقات بين الزوجين من خلال هذه الثقافة الواتسابيه التي نصبح ونمسي على نوادرها وتناقلها بوعي أو بلا وعي !
لست في صدد استهجان هذا الـCopy و الـPaste الذي بتنا ضحاياه بصورة لا واعية عبر سكب مشاعرنا في قوالب "أم المشمر " و " أبو سروال وفانيلة " بقدر ما أنوي فيه تسليط الضوء على النار التي بعثت هذا الدخان ! لنتأمل معا في بعض النكت الشائعة والبحث عن العامل المشترك الأكبر بينها :
·        بعض الرجال يمسكون أيدي زوجاتهم في السوق لأنهم لو تركوا يدها سوف تذهب وتشتري السوق بأكمله ، قد يبدو الأمر في نظرك رومانسيا لكنه من وجهة نظر " أبو سروال وفانيلة " اقتصاديا !
·        هل تعلم أن (( الأخطبوط )) لديه "4" قلووب ولا يحب إلا نفسه فقط! عزيزي الأخطبوط،، اش يقربلك ابوسروال و فانيل !
·        ذهبت انا وزوجي الى البحر كي نعيش وقتأ ممتعآ ورومنسي فقلت له آلبحر جميل .. فقآل ليس آجمل من وقوفك جانبي ..اصبروو... هذي مو حقتنآآآ ، النسخه السعوديه .. ذهبت أنا  وزوجي إلى البحر كي نعيش وقتآ ممتعآ ورومنسي فقلت له البحر جميل .. فقال تغطي بَـِـِسُ ورانا شباب ..
والكثير مما لسنا في صدد جمعه في هذا المقال ، لكن كما هو واضح أعلاه فإن كل هذه الحرب الكوميدية تدور حول نقد قالب واحد تنصهر فيه المرأة الخليجية والرجل وهو الجفاف العاطفي ! ففي دراسة سعودية للدكتور صالح سلامة بركات أستاذ علم النفس تبين أن هناك ارتفاعًا ملحوظًا فى نسبة الطلاق، وإن 79% من حالات الانفصال سببها معاناة الزوجة من عدم تعبير الزوج عن عواطفه لها، وفِقدان أي وسيلة للحوار بينهما. ولا يختلف الأمر عند الكثير من النساء أيضا .
هذا البخل في المشاعر بات اليوم سببا رئيسيا وراء الكثير من قضايا الطلاق في أروقة المحاكم ، وبات المحرّك الأساسي للكثير من قضايا الخيانة الزوجية التي تقود الحياة الزوجية إلى التصدّع وتنتهي بالطلاق الرسمي أو الطلاق العاطفي إذ يعيش الزوجان تحت سقف واحد كالغرباء لا يجمعهما إلا الصمت المطبق !
مصطلح العيب الذي يفوق في سلطته المنطق والشرع أحيانا ، من أكثر الأسباب التي حجّمت من قدرة مجتماعتنا الخليجية في التعبير عن المشاعر بانسيابية وطلاقة . كثيرا ما كنت أعبر ممرات المدرسة وألتقي في طريقي باحدى طالباتي المراهقات فأحتضنها بين ذراعي أشعر بفرائصها ترتعد خجلا وخوفا من عناق لم تعتد عليه ، وكثير ما رددن لي طالباتي هذه العبارة " أمي تستحي تحضنني " ؟ في حين كان الآباء و الأمهات  يعلقون على هذا بقولهم " لا نعرف كيف نفعل ذلك " ؟ وكأن المهمة تحتاج إلى جرأة بحجم مجرّة لينوي الأب أو الأم  احتضان أبنائهم دون مناسبة تذكر !
والكثير من القضايا التي وردت على مكتبي أثناء عملي في الإرشاد الأسري سابقا كانت تتشعب طولا وعرضا وتنتهي بالجفاف العاطفي ! ومن باب من لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل فإنك لست مخيرا في هذا السبيل .. فعليك أن تكون ثقيلا رزينا جافا كما تريد لك ثقافة العيب ، لأنك لو فكّرت أن تعبر حاجز الخجل في هذا فقد تُوصم بقائمة طويلة عريضة من الألقاب مفادها أنك لست رجلا وأنّك امرأة تافهة !
أتساءل يا ترى هل يحتاج التعبير عن الحب لأبنائنا لأزواجنا لزوجاتنا كل هذا التعقيد الذي يوصل بأسرنا أحيانا إلى الخيانة أو أروقة المحاكم ؟؟ ! رسول الله ص وهو أكثر رجال  الأرض مهابة وعظمة على مرّ تاريخ البشرية كان يقبّل وجنة فاطمة ويقبّل نحرها ويقول : فداكِ أبوكِ  .. فداكِ أبي وأمي .. فأين نحن من هذا الحب البسيط الذي لا يحتاج إلى معادلات حسابية معقدة  لتوزيعه لمن يستحقه !! ولماذا لا نحبّ كما يشاء الحب دون عقد وبلا تعقيد أو كما يتساءل  شاعر الحب نزار قباني :
لماذا لا يحب الناس في لينٍ وفي يسر ؟
كما الأسماك في البحر ،، كما الأقمار في أفلاكها تجري
لماذا لا يكون الحبّ في بلدي .. ضرورياً ..

كديوان من الشعر !!

الأحد، 12 أبريل 2015

من يشعل فانوس المتعوس ؟

بقلم : انتصار رضي - أبريل / 2015

"رفع الله حظّش" ! هذه العبارة التي يجبر بها أبناء وطني خاطر فتاة تجاوزت الخامسة والعشرين من عمرها ولم تدخل في دائرة النصيب بعد ، لتحظى بزوج ( يرفع حظّها ) . ومهما بلغت الفتاة في ثقافتهم من جمال أو شباب أو نضارة أو مؤهلات فهذا " الحظ " المايل في وجهة نظرهم سيبقى معوج مالم يلتئم نقصها بالجنس الخشن فيعدله! 
تبقى هذه الدعوات على لسان الأمهات وما يحفّها ويدعمها من أمثال شعبية ، تسجّل شعور وأفكار الناس بتكثيف وإيجاز فيما يشبه القوانين النافذة تتناقلها الأجيال وتتوارثها بوعي أو بلا وعي . ورغم تطور ثقافة المجتمع في كثير من تحوّلاته وعلاقاته الديناميكية إلا أن هذه الدعوات والأمثال تبقى تتوارث في الذاكرة الجمعيّة وتفرز نمط وعي مشترك يترجم فهمنا للكثير من الظواهر والقضايا في الحياة ومن تلك القضايا مسألة ( الحظ ) !!
منذ زمن طويل وأنا مولعة بالأمثال الشعبية وقراءة الدراسات المقارنة للأمثال في البيئات الخليجية والعربية في محاولة للنظر إليها نظرة معاصرة تؤكد حيوية هذا التراث وأثره المستمر في وعينا وتكويننا الفكري والثقافي . ومسألة الحظ كان لها نصيب الأسد في هذا التراث الذي يتعدى كونه مجرد كلام مرصوص ومسجوع إلى رفعه في مصاف الأحكام القطعية تدفع بالكثير لتعليق المسئولية بتسليم مطلق على الحظ في مواجهة الإخفاق أو تبرير النجاح !
مجمل ما جاء في هذا التراث يميط اللثام عن حالة ضبابية من الوعي تخرج الإنسان من قانون السببية الكونية وتحصره في دائرة من لاعلاقة له بتقدير الأقدار فهو في هذه الدائرة كائن يعيش ضرورات ومعطيات فرضت عليه بقدر ما يتسع الحظ له أو يضيق .
إذا ما سلّمنا بخضوعنا جميعا للحظ الذي ينطلق من أسباب قد لا نكون جزءا منها بل تفرض علينا من صنع واقع كوني يدبّره الله لنا ، فعلينا ألا نغفل من جانب آخر عن تناول الأسباب التي نكون نحن الجزء الأهم منها في صناعة الحظ .
من بين تلك الأسباب اغتنام الفرص التي تمرّ مرّ السحاب ! فمن  أهم ما يرفع حظوظ الناجحين قبالة سواهم هو اغتنام الفرص التي تمرّهم وهم على أتم الاستعداد لها . لقد سئل أحد كبار الأثرياء من الذين يعملون في العقارات وسوق العملات، كيف تنجح في السوق وغيرك يفشل فيه ؟ فقال: "أنا أدخل في السوق حينما يكون غيري لا يزال مترددا، وأخرج منه حينما يكون قد قرر غيري الدخول، فأحصد أنا النجاح ويحصد هو الفشل..".
لماذا يحاصرنا الخوف دائما من قول " نعم " للفرص الجديدة ، للمعرفة الجديدة ، للعلاقات الجديدة ؟ ألا تتفقون معي أن هذا الخوف الذي يسكننا  يدفعنا لخسارة الكثير من الهبات التي قد يسوقها الحظ لنا يوما ما ؟
لوهلة قد ينكر الكثير منّا أن الخوف هو سبب هذا التردد ؟ لكن إذا تأملنا في دوائر الارتياح Comfort zone التي غالبا ما تحصرنا في دائرة مغلقة نصبنا حولها مصدّات لكل ما هو جديد وأحكمنا نوافذنا وأغلقنا ستائرنا عن كل ما يطرق أقدارنا من فرص ! وهل هناك من فرص تلوح ما لم نبحث عن الجديد دوما ؟ وما دمنا نخاف الجديد فسنظل قابعين تحت سماء لا تمطر فرصا ! فنحن لا سوانا من نحبس سماءنا أن تمطر فرصا بل وأحيانا سماء من معنا أيضا ؟!
نبدأ من دائرة الأطفال ففي بداية كل عام دراسي عليّ أن أتحلى بصبر الأنبياء وأنا أدرس طلبات أولياء الأمور لنقل أبنائهم من فصل دراسي لآخر والسبب في الغالب الأعم ( عشان أصدقاءه هناك ! ) وكأنه محكوم على هذا الطفل أن يعيش وسط هذه الدائرة من الأصدقاء كل حياته ، وهكذا يتبنى الأبناء ما يتبناه الآباء . ولا أبالغ إذا ما أخبرتكم أن بعض الآباء قد يضطرون للتلويح بالشكاية لوزارة التربية والتعليم إن لم أخضع لنقل أبنائهم للمجموعات الطلابية التي إعتادوا عليها ! وربما أقول ربما يخسرون الكثير من التجارب الجديدة التي قد تسوق لهم فرص جديدة مع معارف جدد وصداقات جديدة .
وماذا عنا نحن البالغون في عالم الانفتاح التكنولوجي ؟؟ قبل أشهر معدودات وجدت نفسي وسط 80 شخص في مجموعة " واتسابية" كل أعضائها من حملة الدرجات العلمية والعملية الرفيعة جدا ، لا أعرف من بينهم سوى مؤسس المجموعة ! كنت أراقب بحذر ردود الأفعال حيال هذا التجمع الذي كان واضحا للوهلة الأولى من انسحاب مؤسّسه بعد دقائق معدودة من إنشائه أنه حدث عن طريق الخطأ ، إلا أني كنت أراقب مادار فيه من  تفكير و تمحيص و فرك الأكف و حكّ الشّعر ومناقشات لا تدار إلا بعقول تحكمها نظرية المؤامرة خلصت إلى ضرورة إنهاء هذا التجمع الخطير ! ولكم أن تتخيلوا هذا الخطأ العابر ساق لي فرصة ثمينة لمعرفة باحث نفسي يحضر الدكتوراة في علم النفس في السويد ويقوم بدراسات فريدة لم أقرأ لها مثيلا تتعلق باضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة لدى الأطفال وهو ما شجعني حاليا لتأليف كتابي حول هذا الاضطراب والاستفادة من أبحاثه فيه ! « الفرصة غُنم » الإمام علي عليه السلام .
ولو تأملنا الفروقات بين شخص محظوظ وآخر لم يحالفه الحظ يوما رغم مرورهما بنفس التجربة فإننا سنجد الشجاعة لدى المحظوظ كانت السبب الأول في اقتناصه للفرصة في حين بقي المتعوس يفرك فانوسه الذي فات وقت إشعاله ! إن اغتنام الفرص لا يتم إن كنا نتأفف من رسالة بريدية تصلنا تخبرنا بالجديد في عالم التدريب أو تسوّق لنا بضائعا حديثة ، إغتنام الفرص لا يتم ونحن نتأزم من استقبال مقالات وروابط إلكترونية تصلنا من أشخاص لا تربطنا بهم صلة قرابة أو معرفة ! لن يتم ما لم نستثمر حتى أخطاء الآخرين لنصنع منها نجاحاتنا ! .
أيضا من بين تلك الأسباب التي تجعلنا سببا محوريا في صناعة الحظ الوقوف في موقع السبب لا النتيجة دائما ! تأملوا معي كم يقبع الكثير منّا في مواقع النتائج ويستسلم إلى أنه ضحية للظروف التي لا يتحمل أسبابها !! فالشاب الذي لا ينجح في امتحان  السياقة يبرر بقوله " المرور رسّبني " ، والطالب الذي لا يجتاز عامه الدراسي " المعلّم يعاديني " ، والزوجة التي تصل إلى الطلاق زوجها ظلمها وهكذا هلمّ جرّا ... وحين نتملّص بشكل دائم من الوقوف في مواقع السبب وتحميل أنفسنا مسئولية بقعة الحبر التي بدت على ثيابنا ولم نكتشفها إلا في العمل ، وتعطّل الفيديو في ورشة عمل قمنا بتقديمها ، و حادث واجهنا في الطريق ففاتنا موعد الطائرة .. إن لم ندرّب أنفسنا على الوقوف في هذا الموقع فلن نسعى لصناعة الحظ لأننا باختصار ضحايا في طابور طويل ننتظر متى ترحمنا الظروف وتنصفنا الحظوظ !
وبلا شك يلعب التحرر من الأفكار التشاؤمية وسيطرة قوانين مورفي على عقولنا  دورا كبيرا في صناعة الحظ ، فالتشاؤم يقودنا دون وعي إلى نتيجة حتمية  كنّا ننتظرها دون غيرها . هل بتنا نشعر حقا بحجم التشاؤم المقيت الذي بات يحكمنا وبتنا نصدّره لأبنائنا وعوائلنا وأصدقائنا بقصد أو دون قصد ؟؟ سواء بنشر رسائل شبكات التواصل الاجتماعي أو تجاذب بعض الأحاديث في بيئات العمل أو البيئات الأسرية والتي تبث الطاقة السلبية فتؤطر أفكارنا وتسيطر على مشاعرنا وتترجم في سلوكياتنا . وتنتهي بألا حيلة لنا في صناعة الحظ ولو جرينا جري الوحوش ! لا أجد لهذه الحالة أجدى من مثال قاله لي أحد أساتذتي في الحياة: " تخيلي أن الأقدار كالأقمار الصناعية وأن عقلك هو المستقبل للقنوات الفضائية .. ثقي أن " الريموت" بيدك فأي القنوات تودين استقبالها اختاري ثم اكبسي زر القناة التي تودين .. كان أستاذي يودّ أن يشرح لي قانون الجذب والقوى البشرية الغامضة باختصار شديد .  " ما ظنّ عبدٌ بالله خيراً إلا كان الله عند ظنّه به ، ولا ظنّ به سوءاً إلا كان الله عند ظنّه به " .
اغتنموا الفرص .. كونوا في موقع السبب .. تفاءلوا بالخير .. هذه قواعد ثلاث ذهبية جربتها في مختلف مراحل حياتي وأكدت لي تماما أننا نحن من نرفع حظوظنا ونشعل فانوس المتعوس أو نطفئه !! 



الأحد، 5 أبريل 2015

علّمونا الحب


بقلم : انتصار رضي / أبريل 2015

وسط طوفان العنف والتقلبات السياسية المتصاعدة ، والخلافات الطائفية التي شوّهت النسيج الاجتماعي ، أو أن خراب النسيج الاجتماعي قد انعكس بشكل خلافات طائفية ! لست أدري .. ما أعلمه هو أننا نعيش في شرق أوسط ملتهب بصراعاته المحليّة والخارجية ، وإن أقصى ما بتنا نفكر فيه كيف نتأقلم كطوائف مع هذه الأزمات المتتالية وكيف نتبنى ثقافة إدارة الخلاف حتى لا نُسجّل تحت الفصائل المنقرضة أو نتحول لمجرد أرقام واحصائيات في سجلات الوفيات .
هذا ما دفع بعض الكتاب مؤخرا عوضا عن الحديث عن قيم السلام وأخلاقيات التعايش الإنساني وإدارة الحب ، أن يتداولوا عنوان كـأخلاقيات الحرب ! يبدو للوهلة الأولى لك أن الأمر يثير السخرية والبكاء معا ؟ فكيف نبحث عن أخلاق لمسببات الهلاك والموت وتسمية أدوات الذبح بأنها انسانية وأخلاقية ! لكن تبقى هذه النداءات على حدّ قولهم هي أقصى ما يمكن أن يبرئ به كاتب ضميره إتجاه المدنيين الذين هم لا حول لهم ولا قوة في التجاذبات السياسية وفي تصفية حسابات الصراعات الكبرى . المدنيون الذين عادة ما يكونوا حلفاء الخسارات العظمى في كل رحى حرب تضع أوزارها بعد أن أفنتهم بصمت يشوبه استنكار دولي خجول !
أما أنا ومن كرسي مكتبي في المدرسة أتأمل وجوه طلبتي الحالمة بغد أجمل لم يأتِ بعد ، ولا أعرف إن كان سيأتي أم لا ! أجد أن غاية ما يجب أن نقدّمه لهؤلاء الأطفال وسط حمّى القتل والذبح في عالم اليوم ، أن نعلّمهم الحب ! الحب تلك الثقافة التي أجدنا في أمسّ الحاجة لهندستها وتفصيلها وتعليمها . كنت أعيد نفس هذه العبارات مع زميلتي بالعمل فتوقـَفت لوهلة تسألني وما الحب ؟ ها .. ما الحب ؟؟ .. فأجبتها لا أدري (Google it) .. شئت أن نتندر حول بعض التفسيرات والعناوين وبدأنا ( نغوغل ) الحب ! وهذا ما وجدته :-
" الحبّ : هو شعور بالانجذاب والإعجاب نحو شخص ما، أو شيء ما، وقد ينظر إليه على أنه كيمياء متبادلة بين إثنين، ومن المعروف أن الجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين المعروف بـ "هرمون المحبين" أثناء اللقاء بين المحبين " .
" الحب الحقيقي يستحق منك البحث دائماً عنه و الإحتفاظ به في حياتك . و ذلك لأن الكثير من الأزواج  قد ينفصلوا بسبب عدم الشعور بالحب الحقيقي " .
" أريد حبيبا يقدّر الحياة الزوجية ، ويحبني " ، " الحبّ في الأرض بعض من تخيلنا لو لم نجده عليها لأخترعناه " ، والكثير من صور عارضات الأزياء وبنات الهوى !
وجدت كلمات في الحب  لشكسبير ، سيمون دي بوفوار ، جان جاك روسو ، العقاد ، أفلاطون ، برنارد شو ، جبران ... إلخ.
الله قال أحبّوا الأنبياء قالوا أحبّوا العلماء قالوا أحبّوا الشعراء والفلاسفة  والفنانين ، فأين كل هذا الحب الذي قالوا عنه في هذا المتصفح العملاق ؟تذكرت حينها مصباح ديوجين الفيلسوف اليوناني المتقشف الذي لم يقتنِ شيئا ولم يملك مأوى ، تذكرت مصباحه المشع البائس الذي حمله في ظهيرة يوم حارق تحت شمس سماء صيف صائف لا يحجبها غيم ولا غبار وعبر به الطرقات وهو يقول ( أبحث عن انسان ) !
وأدركت مع زميلتي وسط فوضى تفسيرات الحب في الفضاء الالكتروني الشاسع أننا لم نجد ذلك الحبّ الذي نبحث عنه لنعلّمه أطفالنا ! الحب الذي نحتاجه ليحمينا وسط شرق أوسطي مكتظ بحروب ونزاعات لا نعرف فيها هويّة الجاني والمجني عليه ! وأجندات سياسية تتحكم في مصائرنا لا نعرف أهدافها أو هويتها ! الحبّ الذي يرحم جهل الضعفاء بدوافع تلك التصفيات السياسية ومرامي صراع المصالح الذاتية .
الحبّ الذي يبدأ من أنفسنا لأنفسنا ؟ فكيف نعلم الأطفال أن يحبّوا أنفسهم قبل أن يتوسّلوا الصواريخ لتكون رحيمة عليهم فلا تسقط في مدرسة علّقوا على جدرانها لوحاتهم عن الحبّ والسلام ؟ كيف نعلّمهم أن يحبّوا أنفسهم وسط أنماط تربية متطرفة شائعة ، فهي إما توقعهم في النرجسية وتضخم الأنا ومركزيتها و عبادة الذات تحت قائمة طويلة للاضطرابات النفسية ،أو تسقطهم في مطبّ انخفاض تقدير الذات تحت طائلة الفهم المغلوط لحبّ النفس في القرآن والسنّة ! كيف نعلمهم ذلك الحب الذي يبدأ من النظرة الايجابية للذات وتقدير ما تملكه من إمكانيات وطاقات وقدرات ومؤهلات ، الحب الذي يمنحهم الثقة في التعامل مع ذواتهم بإيجابية كل يوم .
الحبّ الذي يبدأ في دائرتنا الأولى أسرنا ، ليحارب أرقام  الإساءة الأسرية، أو الإساءة الزوجية جسديا ولفظيا ونفسيا وجنسيا وماديا ! ليحارب الإهمال الأسري والصراعات الزوجية وأرقام الطلاق المتضخمة والتي فاقت معدلات الزواج في بعض الدول الخليجية !
الحب الذي يبدأ في مدارسنا ، كي لا يجعل أطفالنا ضحايا لظواهر الاستقواء والتنمّر المدرسي تحت سيادة أسلوب الغاب وسياسة البقاء للأقوى . الحبّ الذي يتنفّسه المعلّم حين يتقبل طلابه كم هم لا كما ينبغي أن يكونوا عليه ، نعم هو حب المعلّم لطلابه غير المشروط بتخفيف نصاب المنهج المقرّر أو المادة العلمية أو ساعات الدوام المدرسية أو اشتراطات الجودة ولجان التحسين ! بل الحبّ الذي يجعل المعلم روحا أبويّة فياضة بالرحمة والنصح والإخلاص والنبوّة .
الحبّ الذي يبدأ في أعمالنا و وظائفنا ، ولا يحوّل سلطة المدراء إلى تسلط في جوّ من الاحتراق الوظيفي و فقدان العنصر الإنساني أو الشخصي في التعامل ومعاملة الأفراد كأشياء وليس كبشر ! الحب الذي يرحم طوابير العملاء الطويلة والمعاملات المتكدسة على الأرفف بسبب البرود والبيرقراطية البغيضة ، وعدم المبالاة، والشعور السلبي نحو المستفيدين من الخدمة .
الحبّ الذي يبدأ من طرقاتنا وشوارعنا ، فيمنعنا من الوقوف بسياراتنا أنّى نشاء غير عابئين بالطريق ! أو أخذ مكانين لركن السيارة دون أدنى تفكير بالآخر ، أو حرمان المشاة من حقهم بالسير الآمان على خطوط المشاة ! الحب الذي يدفعنا لإماطة الأذى عن الطرق و الحفاظ على بيئتنا من اضطراب النظام البيئي ومن التلوث الذي ينذر بالاحتباس الحراري !
الحبّ الذي يبدأ مع الغير أيا كان هذا الآخر ! فيردعنا عن التَّلَهِّي بالحيوانات في الصيد كقتل عصفور عبثا وتسلية ! أو ركل عامل آسيوي في محطة وقود لأنه سكب البنزين الجيد عوضا عن الممتاز ، أو استنزاف خدم المنازل في العمل من دون خجل أو شعور بالعار وكأنهم ليسو ببشر مثلنا ! الحب الذي يدفعنا أن نتطوع بدون مقابل في  جمعيات وفعاليات تدافع عن قضايا أطفال السرطان أو متلازمة داون ، أن نتطوع في تزكية بعض العلم مجانا وسط جشع عالم التدريب والمدربين . الحبّ الذي يجعلنا نشفق على معدم يعيد ترتيب ميزانيته ألف مرة ليسدد بها فواتير الكهرباء والماء قبل انقطاعها في حين نشدّ فيه نحن رباط أحذيتنا التي تعادل راتبه الشهري ! الحب الذي يمنعنا من ترك أحد الوالدين وقد بلغا من الكبر عتيّا على باب دار للمسنين ، الحب الذي يجعلنا جزءا من معاناة مريض سكلر رفضت كل الشركات توظيفه ، جزءا من معاناة الأرملة التي تنتظر إعانة شهرية لا تكفي لملابس الشتاء ، والعانس التي تنتظر من ينتشلها من مستنقع نظرة الناس . الحب الذي يجعلنا انسان .. انسان فقط !
إنها مسئوليتنا نحن كآباء وأمهات ومعلمين  أن نعلّم أطفالنا هذا الحب غير المشروط بمكاسب أو مصالح . قبل 7 أعوام قال لي أحد معلميني في الحياة وأنا أنتظر استقبال طفلي الأول حين سألته : ما هو أول شيء أعلّمه أطفالي ؟ أجابني سريعا : الحب ! الحب ولا شيء آخر ! وأعقب ذلك بمعلومة علمية تشير إلى أن العقل الواعي يتوقف عن العمل في حالة النوم وأن المجهود يقل إلى أدنى درجة عندما يدخل المرء في حالة النعاس ، والسبب في هذا هو أن أعلى درجات النشاط للعقل الباطن تحدث قبل النوم وبعدها قال لي : اهمسي لرضيعك قبل النوم بكل عبارات الحب. قمت بتجربة هذا أنا ومجموعة من صديقاتي مع أطفالهم في ترديد عبارات كل مشتقات الحب وعلائقه على أطفالنا قبل النوم لأعوام متتالية وتيقنت حينها أننا نحن لا سوانا من نقوم بتعليم أطفالنا الحب ليس بملأ عقلهم اللاواعي بتلك العبارات وحسب بل بجعل الحبّ منطلقا لكل سلوكياتهم وأفكارهم ومشاعرهم وقراراتهم !
يقول الدكتور مصطفى أبو السعد أحد العمالقة في عالم التربية بالحب التعبير عن المحبة للطفل من أهم مقومات السعادة له . هذا التعبير يحد من العنف والتحرش الجنسي ويشبع للطفل الحاجة للقبول وينمي الصفات الإيجابية عنده  وذلك من خلال الكلام ، القبلة ،الاحتكاك الجسدي ، الضم ، وقد تبين على حدّ قوله أن الطفل بحاجة إلى 24 ضمة يوميا من والديه لا أقل من ذلك !
فإن كنّا لا نملك مقاليد الأمور في هذا العالم المستعر لنخمد كل مصانع الحرب والصراع والبغض ، فإننا نملك أحضاننا وهي أكبر مصانع الحب ! فلنعلّم أطفالنا هذه الثقافة قبل أن تعلّمهم الحرب ما لم يعلموا وتذيقهم ما لم يذوقوا !


الأحد، 29 مارس 2015

كن نفسك


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015

يقول روجرز عالم النفس الأمريكي ومؤسس نظرية الذات السيكولوجي المعاصر أن ( تكون سوي هو أن تكون نفسك) .
وفي ذات المصب تتحدث الأديبة والمحاضرة والناشطة الأمريكية "هيلين كيلر" والتي عدّت إحدى رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها و أحرزت لقب معجزة الإنسانية لمقاومتها لتلك الظروف إذ كانت بمثابة معجزة . كانت تعبّر عن نجاحها وهي تقف على منصّة التكريم في حفل تخرجها ( أنا نجحت لأني كنت نفسي(  .
لماذا يرفض الكثير من الناس ذواتهم في عصرنا اليوم ولا يقبلوا إلا أن يكونوا على غير ما هم عليه ؟ وهل هناك أشقى من الإنسان الذي يودّ دوما أن يكون في صورة وقالب الآخر رافضا لذاته ؟!
لاشكّ في وجود تلك الصورة الذهنية لدى كل فرد عن نفسه ، ولهذه الصورة أهمية كبرى في بناء شخصيته وعلى أساسها تصدر أحكام الفرد عن نفسه وهو ما نعبر عنه بمفهوم الذات والذي يتأثر سلوك الإنسان به لأبعد الحدود. إن أول مصدر لبناء مفهوم ذات إيجابي عند الأفراد هم الوالدان ، فالنظرة الأولى للطفل بعد ولادته واحتضانه بين ذراعي أمّه ، ورعايته الرعاية الكافية وإحاطته بالحب والحنان طوال مراحل نموه هذا أكثر ما يرفد الطفل بمقومات بناء مفهوم ذات إيجابي .
مفهوم الذات الإيجابي ينعكس في تقبل الإنسان لذاته والرضا عنها ، فيتكون عند هؤلاء الأشخاص ترجمة واضحة ومتبلورة للذات يلمسها كل من يكون على صلة بهم ، وتتجلى في أساليب تعاملهم مع الآخرين ، ويرتفع عند هؤلاء تقدير الذات واحترامها ، ويسعون في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية ودورها وأهميتها. الأشخاص الذين يحملون مفهوم ذات ايجابي عن أنفسهم تزداد ثقتهم بقدراتهم واستقلالهم الذاتي ولديهم معرفة جليّة للذات والتبصر بها مما يعبر عن رغبة هؤلاء في أن يكونوا أنفسهم .
وفي حالة حدوث نقص لدى الطفل في حاجاته الأساسية سواء كانت فيزيولوجية أو اجتماعية أو نفسية في مرحلة من مراحل النمو فإن هذا محفز لبناء مفهوم ذات سلبي يظهر جليّا في سوء تكيّف الفرد مع المجتمع و تكون فكرة الانسان عن نفسه غير منتظمة ولا يكون لدى الفرد إحساس بثبات الذات وتكاملها، إذ لا يعرف مواطن الضعف والقوة لديه وقد أشارت العديد من الدراسات لوجود ارتباط وثيق بين مفهوم الذات السلبي والاضطرابات النفسية لا سيما إذا افتقد الانسان القبول التلقائى والحب والعناية بفرديته فى سنوات طفولته المبكرة.
مفهوم الذات السلبي يحفز على ظهور أعراض رفض الذات ، والذي يتمثل في النزوع المستمر لأن يكون الإنسان شيئا آخرا على غير ما هو عليه ، وكثيرا ما يكون هذا الإنسان لا ملامح له سوى أنه مختلف عنا ويمتلك كل ما نفتقد إليه .
تلعب مواقف الطفولة المبكرة في الأسر التي تحرم الأطفال من بناء خبرات شعورية بقبولهم كأفراد لهم قدراتهم وامكانياتهم واعطائهم الفرصة في الاعتماد على أنفسهم ، أو الخبرات التي تتعلق بفقدان الاقتراب الجسمي العاطفي مع الوالدين ، أو تسلط الأبوين أو التوقعات المبالغ فيها عند الأبوين الطموحين كل هذا يلعب دورا في خلق حالة من القلق المفرط في بحث الطفل عن الأمان على حساب بناء خبرات في اشباع حاجات النمو الأساسية كالاحتياجات الاجتماعية والادراكية والذاتية وصولا لتحقيق الذات وبالتالي يبدأ الانسان برفض ذاته .
ولضمان أسس السعادة يوصي الأخصائيون النفسيّون أن يستفيد الإنسان من رغبتين في داخله الأولى هي النزوع لنمذجة سلوك وأفكار الآخرين ، والثانية في الامتناع عن التقليد الأعمى . عندما قرأت كتاب السر والذي عدّ من أكثر الكتب مبيعاً لعام 2006، وهو من تأليف روندا بايرن، وتقوم فكرته على قانون الجذب ( ما تفكّر فيه تحصل عليه ) أدركت حقيقة أهمية ضرورة وجود النموذج الحي في أذهاننا الذي يلهمنا و يحرّضنا على امكانية تحقيق الحلم التي نودّ بلوغه ، لكن هذه النمذجة يجب ألا تحجّم من أنفسنا ضمن إطار التقليد المحدود الذي يلغينا ويجعلنا نسخة أخرى من الآخر لا أقل ولا أكثر .
مرورا عبر التاريخ كانت من أكبر المعوقات التي اعترضت دعوة المبلغين والرسل هو التناسخ الفكري والقوالب الفكرية الجاهزة ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) إن السبيل الوحيد للخروج من هذه القوالب وإيقاف سلسلة هذا التناسخ هو إعمال العقل والتدبّر ولهذا ورد في القرآن الكريم أكثر من 500 آية تدعو للتفكير بمعاني  التدبر والتفقه والنظر و التبصر والتذكر والاعتبار .
التفكير يقودنا لمعرفة جلية لأنفسنا ، لمعرفة ماذا نريد أن نكون عليه ؟ وهذه هي الإجابة المجهولة لدى الكثير من فئات المجتمع . فحين نجهل ما نودّ أن نكون عليه ، سنكون ضحية التقليد الأخرق الذي يجعلنا نكون الآخر بكل أخطائه ومزاجه وأفكاره ، وهذا أكثر ما يواجه شبابنا اليوم . هل جربتم أن تسألوا أبناءكم من أنتم؟ وماذا تريدون أن تكونوا عليه ؟ لقد لاحظت صعوبة الإجابة على هذا السؤال المصيري مع الطلبة على مرّ السنوات وهو ما دفعني مرارا وتكرارا أؤكد على أهمية تضمين مهارات بناء مفهوم ذات إيجابي في منهاج المهارات الحياتية في المدارس ، فيتعرف الأطفال والمراهقون من خلاله على أنفسهم ويدركون بصورة أوضح ما يودون أن يكونوا عليه .
إن أي مطالع لسير مشاهير النجاح وقصص حياتهم من قعر الإخفاق إلى قمم النجاح سيكتشف أن نجاحهم بدأ من حلم ، من قوة التصور والخيال على ما يودّ أن يكون هو عليه ، تلك الصورة الذهنية التي ترسم له نفسه في وضع أفضل مما هو عليه ، وليست الخيالات التي ترسمنا في ثوب الآخر وسلوك وأفكار الآخر وتنتهي بجعلنا نسخة منه فقط !
 إبراهيم الفقي الذي تدرب علي يديه أكثر من 700 ألف شخص في محاضراته التي ألقاها في انحاء العالم بثلاث لغات: "الانجليزيه والفرنسيه والعربيه" ، كان قد عمل بأحد الفنادق الفرنسيه بكندا يغسل الصحون بأجرة بسيطة جدا يقول حينما كنت أسأل من أنا  كنت أجد نفسي مديرا لسلسلة من الفنادق في تلك اللحظات التي كنت أعمل فيها بغسيل صحون الفنادق ، وقد حقق ذلك وأصبح مديرا لعدة فنادق كبرى في مونتريال بكندا!
وليس ببعيد عنا مثال الدكتور أكبر جعفري الرئيس التنفيذي  لجفكون لتحسين الإنتاجية و مستشاروزير التنمية والصناعة "سابقا"، والمدير إداري بألمنيوم البحرين - ألبا "سابقا ،وهو أول بحريني يحاضر في جامعة «كمبريدج» أمام مجموعة من كبار العلماء والباحثين ، يقول كنت أعمل حمّالا في السوق في طفولتي ولم يسنح لي ضنك المعيشة حينها أن أكمل تعليمي ، كنت أقول لزملائي وهم يسخرون مني  أني سأدرس في لندن ، كنت أجد نفسي وأنا أسير في جامعات لندن وأتخيل شكل حقيبتي التي أحملها بيدي . حتى كان له ما أراد إذ حصل د.أكبر على الدكتوراه في الإدارة والاقتصاد من جامعة لندن، والماجستير في الإدارة من بكنغهام، بريطانيا.
كل هؤلاء وسواهم الكثير بدأوا نجاحم لأنهم كانوا أنفسهم بعد أن عرفوا قدراتهم وامكانياتهم ، لأنهم وضعوا أنفسهم في الصورة التي أرادوا أن يكونوا عليها . النجاح هو وليد قوة التصوّر والخيال لما نريد أن نكون عليه ، ولابد لهذا التصور أن يرتبط بحقيقتنا نحن ، بصورتنا نحن ، بإمكانياتنا نحن ، وليس صورة مشوّهة تجمع في ثناياها الآخرين في قوالب لا تكون بمقاسنا أحيانا ! بل غالبا !
لأحد علماء النفس مقولة شهيرة ( إنك أيها الإنسان شئ وحيد في العالم إنك نسيج وحدك فلا الطبيعة عرفت أحد غيرك في الماضي يشبهك ولا هي في المستقبل ستتعرف على شخص يشبهك ) .. إذن فكن نفسك .


الأحد، 15 مارس 2015

زهـــايمر الأبنــاء !!


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015

شاهدت قبل أيام فيلم  Still Alice والذي يحكي قصة عالمة لغويات تؤدي دورها  Julianne Moore تصاب بداء الزهايمر المبكر ، في مقتبل الخمسينات من عمرها في حالة نادرة جدا !! الزهايمر الذي يصيب المخ ويتطور ليفقد الإنسان ذاكرته وقدرته علي التركيز والتعلم، ولا يوجد حتى الآن علاج ناجع له . يصيب في العادة الذين تعدوا 85 عاماً من عمرهم إذ يبدأ الزهايمر بإصابة المريض بفقدان غامض للذاكرة، ويتطور سريعا، حتى يفقد المصابون به القدرة في التعرف على الأماكن، الأزمنة ، وجوه من يحبون، ولا يستطيعون حتى الاهتمام بأنفسهم .
Alice Howland التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بأبحاثها في اللغة ومؤلفاتها التي ترجمت للعديد من اللغات ، والتي تخرج على يديها المئات من طلبة الجامعات وصيتها الذي لم يغب عن أهم المؤتمرات في مختلف الدول تبدأ فجأة ومن دون سابق إنذار بمواجهة حالات فقدان ذاكرة مؤقته تفقدها القدرة على التركيز في الكتابة والحديث أو حتى اختيار وجهتها في الطريق الذي تسلكه . ينتهي بها المطاف إلى طبيب الأعصاب الذي يؤكد لها اصابتها بداء الزهايمر المبكر كحالة نادرة جدا في العالم !
أن تكون بلا ذاكرة ! لوهلة تمنت Alice  لو أنها كانت مصابة بداء السرطان ، عوضا عن أن تكون ضحية الزهايمر ، إذ ليس من السهل أن تكون بلا ذاكرة ، بلا ماضي  بلا أمس . بدأ كل شيء يتسلل من ذاكرة Alice  ، المعارف والعلوم والأبحاث التي قضت عمرها في جمعها ، المؤتمرات التي تصدّر اسمها فيها ، وجوه طلابها ممن اكتظت قاعات الجامعة بهم ، ليس هذا وحسب ، بل الأكثر ايلاما وجوه أبنائها ، زوجها ، المفردات البسيطة جدا التي لا يجهلها طفل لا يتجاوز الثالثة من عمره .. Alice  بلا ذاكرة !
عبّرت Alice  عن وجعها في احدى الفعاليات المتضامنة مع مرضى الزهايمر ، قبل أن يقضي الزهايمر على ما تبقى من ذاكرتها ، " حين تجهل من تكون " ؟ تتسلل من ذاكرتك اللحظة الأولى التي أحببت فيها ؟ ليلة زفافك ، تفاصيل رحلاتك ، حين تنسى ذلك الخدر اللذيذ الذي تسلل لقلبك وأنت تستقبل مولودك الأول ، وتفاصيل نموه ، المرة الأولى التي قال فيها " ماما " واللحظة الأولى التي وضع كفيه على الأرض وتعلّم كيف يحبو ، والفاكهة الأولى التي أحبها وهو صغير ، واللحظة التي وضع كفيه الصغيرتين في كفيك ومشى برفقتك في ترهات المنزل، واليوم الذي ودّعته على مقعده في المدرسة و ودّعك بدموعه .. يوم تخرّجه .. حفل زفافه .. ثم قسمات وجهه .. ثم اسمه .. كل هذا يسقط من ذاكرتك للأبد !
 إن ما فاقم الألم عند Alice  بعد اصابتها بالزهايمر هو أنها " أم " !! الأمومة هي حجر الزاّوية في صرح السعادة الزوجيّة كما يقول توماس جيفرسون. إذ ليس من السهل أن تصارع الأم شعور النكران لماضيها مع أبنائها وهي حيّة ترزق ! وتعجز حتى عن تذكر مقادير الحساء الذي يفضّلونه ، أو الطريق الذي يقود إلى غرفهم ، أو المكان الذي ترتب فيه ملابسهم ، أو أن تشاركهم الحديث عن بعض ذكريات طفولتهم في ليالي الأعياد أو الجلسات العائلية !
كيف لذلك القلب الكبير بمشاعره الجياشة وأحاسيسه المرهفة أن يتنصّل من الشعور بالمسئولية قهرا تجاه من حملته في بطنها تسعة أشهر ، وامتص من جسدها الغذاء ليحيا ويكبر ، فإذا ما حان وقت خروجه لهذه الدنيا ، تجرعت المرار في ولادته و وضعه أضعاف ما كانت تعاني في حمله ، وما إن يطل وجهه حتى تحتضنه متناسية كل أوجاعها . ليس من السهل أن تنسى الأم هذا من دون إرادتها ، وهي التي أفنت جسدها ليكبر وينمو ولدها، الذي لم يكتف بمشاركتها الغذاء في بطنها ، بل بعد الولادة في رحلة رعاية وعناء وصبر ومشقة ، تترجمها تلك العواطف التي جبل الله عليها قلوب الأمهات في حالة أشبه بالمعجزة الإلهية وهي تحتضن الطفل الرضيع حتى يشب ويكبر . ليس من السهل على الأم أن يدمّر داء الزهايمر خلايا المخ المنوط بها حفظ هذه الذكريات واسترجاعها في اللحظات النادرة !
في حين بالمقابل بات من السهل جدا على الكثير من الأبناء في ريعان شبابهم أن يدمروا بصورة مبكرة خلايا ذاكرتهم مع الأمهات بإرادتهم ومن دون الحاجة إلى داء . إذ لم تترك التحولات الديموغرافية في مجتمعاتنا وما ترتبط به من زيادة المخاوف كلّما ازداد الاستهلاك والإنفاق والصراع الاقتصادي وتراجع الدخل ، لم تترك بدّا من ترك تشوهات في العلاقات بين الأبناء والآباء تنتهي كثيرا بقصص مأساوية يشمئز منها الأسوياء . فتحت هذه التغيرات باب الأنانية على مصراعيه فلم يعد يتجاوز تفكير الأبناء نطاق دوائرهم الخاصة الضيقة ، مسكن للزوجة ، وبعض متطلبات الاستهلاك الفاخر للعيال. أما الأم التي انتهى دورها على مسرح الحياة بالنسبة لهم لم تعد جزءا من الذاكرة يرسل لك منبهات للحاجة للسؤال عنها إلا وقت الغداء الأسبوعي أو في عيد الأم السنوي!
بات من الضروري مناقشة هذا الواقع بوضوح ، والأسباب التي تقف خلفه حتي تكون العلاقات  بين الابناء والوالدين على نحو أفضل . فغياب الاستثمار الحقيقي في التربية هو أحد أهم أسباب العقوق. نعم ، فالتربية السليمة تقوم على الاستثمار الأمثل في الأبناء ، ما تزرعه اليوم من قيم في أبنائك ستجني ثماره غدا ، وما تلاقيه في كبرك ما هو إلا تسديد حساب ودفع ديون قديمة كانت تقتطع من راحتك ، شبابك صحتك ، مالك و وقتك ، وإذا ما كان أعلى سلّم قيمك أنت في إبان طفولة أبنائك رعاية أسرتك ، فهذه الرعاية ستجني ثمارها في شيخوختك ، إذ أن هذه القيمة هي التي تحدد أولويات أبنائك في الحياة وترسم طريق سلوكهم ومشاعرهم حاضرا ومستقبلا.
غياب الوازع الديني أيضا لدى الأبناء يولّد المزيد من النقائض التي تطيح بالعلاقة بين الآباء والأبناء ، فقد بالغ الإسلام في الحرص على بر الوالدين وقرن الله تعالى بر الوالدين بتوحيده وعبادته إذ يقول سبحانه : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا (36) النساء . وبلغ من عظمة الإسلام أن يقدم برّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله تأكيداً على حقوقهما، وإمعاناً في التوصية بهما خيراً ، وأوجب برهما حتى بعد وافتهما. إن ضعف التربية الدينية في الصغر وعدم تخليق الأبناء بأخلاق الإسلام وتطبيقها عمليا في حياتهم اليومية يقود إلى العقوق في الكبر لا محالة .
عقوق الوالدين تبدى الآن في أشكال جديدة فليس من الضروري أن يكون العقوق  بطريق مباشر يقود إلى ترك الأبوين في دار المسنين والعجز عن رعايتهم ،  بل قد يكون مغايرا  بطريقة غير مباشرة تفضي إلى دحرجة الوالدين إلى حتفهم المبكر عبر الإهمال المغلّف بقشور الاهتمام !! كالتزام الأبناء بالمجيء " جسدا " لتسجيل الحضور في الاجتماع العائلي الأسبوعي حول مائدة الوالدة العامرة بعد نسيانها التام طوال الأسبوع  دون ترك فسحة للاستماع لسخافتها أو قصصها . ولا يتردد البعض في فهم برّ الوالدين بالكم لا بالكيف إذ يقضي البعض جلّ اليوم الأسبوعي الوحيد في كنفها عبر التجول في صفحات التواصل الاجتماعي أو الأحاديث الجانبية بين الأبناء والتي غالبا ما يحصل الوالدان فيها على " كارت أحمر " فلا شأن لهم في كل ما يقال ولا شأن للأبناء فيما لم يقله الوالدان بعد !!
من عقوق الوالدين بطريق غير مباشر أن يصيّر الأبناء الأم خادمة لهم عوضا عن كونهم خدما لها ، وقد تفعل الأم ذلك بسعادة غامرة نتيجة عاطفتها التي لا تنضب ، فبعد أن تنتهي مسيرة تربيتها لأبنائها يبدأ الاتكال عليها في تربية ورعاية أحفادها ، في حين يتنصل الأبناء من كافة المسئوليات اتجاه أطفالهم . وكأن هذه الأم خلقت مصداقا لتلك المقولة البالية أن "الأم شمعة تحترق من أجل الأبناء" ! ولا أدري ماذا يتبقى من فائدة ومعنى لشمعة محترقة !
لاشيء يعادل سعادة الوالدين من أن يعرفوا أنهم في الجزء الأهم من ذاكرة أبنائهم عبر اتصال يومي عابر أو زيارة خاطفة أو رسالة قصيرة .. الأم ليست بحاجة إلى انتظار يوم واحد في السنة لتعرف مقدار حجمها في قلوب أبنائها !  ليست بحاجة إلى هدايا فاخرة  تباهي بها قريناتها كمصداق لحب الأبناء لها .. وليست بحاجة إلى تجمع عائلي أسبوعي يسجل فيه الأبناء حضورهم على المائدة وحسب ! الأم تحتاج إلى ذكريات تملأ بها خلايا ذاكرتها التي لم تعطب بعد !