light

light

الأربعاء، 26 أكتوبر، 2016

الكذب المرضي


بقلم : انتصار رضي - أكتوبر ٢٠١٦

الكذب المرضي أو ما يسمى A pathological liar ويسمى أيضا Pseudologia fantastica حيث ينسج الشخص كذبة ويعيشها بحذافيرها ويوهم الآخرين أنها الحقيقة على الرغم من أنه يتحدث عن أمور خيالية يصعب تصديقها .
الكذب المرضي يعد أحد اضطرابات الشخصية إذ تجد أنه عادة ما يحدثك هؤلاء الأشخاص بأحاديث عن قدراتهم الخارقة أو علاقاتهم الاجتماعية بالمشاهير والمسؤولين مما ينافي ما هو على أرض الواقع ..... كطالب يرسب في كل مواده الجامعية لكنه يوهم الآخرين أنه الأول على دفعته ، أو مخرج أفلام يجلس معك ويدّعي أنه قد حصل على عروض خيالية من كبرى شركات الانتاج في هوليوود في حين أن أعماله لا تتعدى قناته في اليوتيوب !
أكثر الأشخاص الذين يعانون من هذه الحالة يتأقلمون معها و يعيشون حياتهم العادية و هم يمارسون الكذب على الآخرين، ولكن سرعان ما تنكشف كذباتهم، ويفقدون الكثير من علاقاتهم !!
علاج هذه الحالة عادة ما يكون عند clinical psychological specialist أخصائي نفسي سريري . طبعا من الصعب جدا أن تسحب هذا المضطرب من كذبته بسهولة ، سينكر أمام الجميع حفاظا على شخصيته التي اختلقها لهذا يكون مشوار علاج مثل هذه الحالات طويل ويستغرق وقتا لاقناع المضطرب بالخروج من هذا الجو الذي يعيش فيه وقد يتمنى الموت على أن  يعيش الحياة دون هذا الجانب المزيف من شخصيته !!! تماما مثل  Stu في الفيلم القديم Phone Booth !!

Phone Booth  
الفيلم الذي شاهدته مرارا وتكرارا... تدور كل أحداثه في كابينة هاتف عمومي مع الشاب Stu والذي يقوم بدوره الممثل Colin  Farrell وهو يشغل منصب مدير مجلة اعلانات يبدو للوهلة الأولى رجلا مهما ومديرا تنفيذيا لكبرى الشركات وهو يقطع الطرقات يحمل هواتفه المحمولة والاتصالات تنهال عليه من كل حدب وصوب هو ومدير أعماله ومعاونه الذي ينقل له طلبات الزبائن من الشركات والممثلين ورجال الأعمال !

بينما يبدأ Stu بإملاء دروسه على زميله في كيفية التعامل مع زبائنه وهو ينفخ صدره كرجل مهم له في مجال عمله خبرة واسعة .

حتى ينتهي الطريق بـه إلى كابينة الاتصال العمومي التي اعتاد أن يرتادها كل يوم في نفس الساعة ليجري مخابرته العاطفية مع عشيقته Pam ويتفق معها على موعد للقاء في أحد الفنادق . طبعا ستتعجب أن Stu الذي يحمل هواتفا نقالة يلجأ لهاتف عمومي ليجري مخابرة يومية !! لكن على مايبدو أنه كان يدفن أثر خيانته لزوجته Kelly التي يخشى أن تتعقب فاتورة هاتفه فتثير في نفسها شكوكا أو ظنونا . 

حتى هنا لاشيء يستدعي الإثارة فالخيانات في زماننا تعوي ، لكن القصة المثيرة بدأت منذ أن أغلق Stu سماعة الهاتف بعد أن قطع له موعدا مع عشيقته Pam فأعقب هذا رنين الهاتف . لم يترددStu في أن يرفع سماعة الهاتف ويرد على مكالمة لاتعنيه وهو متيقن أنها ليست له ، لكن الصوت الغليظ المنبعث من السماعة أكد له أن هذه المخابرة ليست من رجل غريب ! فكيف وقد عرف أن المتحدث هو رجل الاعلانات واسمه Stu وأكد له هذا ببعض المعلومات الشخصية الدقيقة جدا.

الشيء الجديد أن هذا الصوت الذي يختبئ خلفه مجرم لم يغامر في عمليته الإرهابية من أجل اختطاف أو ابتزاز أموال إنه فقط ينتظر اللحظة التي يجد فيها Stu وأمثاله يظهرون بحقيقتهم أمام الآخرين ويعلنون للملأ أن وجه الملائكة هذا يختبئ خلفه وحش كاسر .

إنك للوهلة الأولى ستشعر أن الفيلم الذي تدور كل أحداثه في كابينة اتصال قد يكون مملا بسبب ثبات عامل المكان ! لكن المثير أن هذه المحادثة كانت تختصر عمر Stu بكل كذباته وأخطائه وعيوبه لتجمع كل أماكنه وزمانه في لحظة اعتراف واحدة يواجه بها هذا العالم أجمع .

لم يكن أمام Stu بدّا من أن ينفذ كل أوامر الصوت الغليظ الذي يختبئ صاحبه خلف زجاح نافذة في احدى البنايات المجاورة وخلف جهاز مراقبة لكابينة الاتصال التي يقبع فيها فريسته ولهذا لم يكن يجرؤ أن يخالف أوامره التي يمليها عليه وإلا كان نصيبه طلقة نارية ببندقية كاتمة للصوت فيموت دون أن يعرف أحدا بموته ولربما لن ينعى خبره في مجلته إلا تحت عنوان موت في ظروف غامضة !

ربما لو طلب الصوت 10000 دولار لكان أهون علىStu من أن يجبره أن يواجه مرآة نفسه أمام شاشات التلفزة والمحطات الفضائية وطاقم الشرطة والمخابرات وزوجته Kelly وعشيقته Pam وكل من حضر بعد أن شاهد صورته محبوسا في كابينة الاتصال يرفض الخروج منها تحت إلحاح رجل مفتول العضلات لم يكن من نصيبه سوى طلقة كاتمة ببندقية المجرم وجهت الأصباع لـ Stu وحده في اطلاقها .

لكن Stu بقي بين فكي كماشة يعترف أو تقتل زوجته أو عشيقته ، فما كان منه إلا أن مدّ وجهه المحمر خجلا والدم يسيل من احدى أذنيه صارخا بصوت متقطع مشبع بالندم إلى زوجته التي احتقنت أوردتها بالدم الحار وتجمدت كل أوصالها خوفا عليه :

Kelly لست ذلك الوفي الذي تعتقدينه انا أخونك كل يوم مع عشيقتي Pam التي تقف هنا في أحد الفنادق ، آتي إليها كل يوم في هذه الكابينة لأتصل وأبثها شوقي وحبي ثم أعود البيت وفاتورة هاتفي خالية من رقمها حتى لا تتعقبين مصدر الاتصال . أنا لست ذلك الرجل المهم الذي تظنين كل هذه الهالة للرجل المحترم بي مزيفة ، ساعتي السويسرية مزيفة ، وبدلتي التي أرتديها ليست إلا لجذب الانتباه وحذائي الايطالي وكل شيء .. أنها لست ذلك الانسان الناجح الذي تظنين كنت أخدعك طويلا وأخدعPam بأنني لست متزوجا ماذا أقول لك هذه الحقيقة ..أنا آسف !

الآن أيها الموت تعال سريعا لاحاجة لي للحياة وقد فقدت الصورة المزيفة التي كانت تجعلني أتنفس ...! هذا ماقالته تعابير وجه Stu وهو يعيد وجهه لداخل الكابينة ويكمل المخابرة باكيا متألما .. بينما يضحك المجرم الذي التذ بسماع صوتStu مرتجفا باعترافاته أمام كل القنوات الفضائية والجموع الحاشدة .

لابد كالعادة أن تظهر الأفلام ذكاء الـ FBI الذين استطاعوا معرفة أن Stu يقبع في الكابينة خوفا من مجرم يختبئ في احدى البنايات المجاورة يملي عليه أوامره تحت مقصلة البندقية الكاتمة للصوت .

لكن الوقت الذي اقتحمت فيه قوات الشرطة البناية التي ظنوا أن المجرم يختبئ بها كان نفس الوقت الذي انهار فيه Stu وخرج من حبسه رافعا يديه إلى السماء صارخا بكل قوته : اقتلني ..
نجى Stu بفضل ذكاء رجال الشرطة الذين أوهموا المجرم بموته بعد أن صوبوه بطلقة مطاطية أسقطته أرضا .
وهذا تحديدا ما يتمناه المصاب بهذا الاضطراب بعد أن يجبر على مواجهة الواقع الذي بناه في مخيلته بالصورة التي يألفها ويتمناها .