light

light

الاثنين، 8 يونيو، 2015

المخوضر.. و واقعية العالم الافتراضي

بقلم : انتصار رضي / يونيو 2015

The New Digital Age كتاب جديد لمؤلفه Eric Schmidt الرئيس التنفيذي السابق لشركة Google  يتحدث في كتابه هذا عن عصر الديجيتال وعن التشكيلة الجديدة لحياتنا وحياة أطفالنا في هذا العصر ، ويستشرف المستقبل فيه.  كما ويتحدث عن عجلة الحياة المسرعة التي تتغير وتتبدل دون توقف ، وتتسع فيها منظومة العلاقات وتعبر الحدود الجغرافية ، وتتجاوز القارات بشكل لافت ومذهل ، والكثير من ارهاصات عصر الديجيتال على انسان اليوم .
أبحاث عصر الديجيتال وارهاصاته ستحتل الصدارة لرسم صورة مستقبل العالم الرقمي والذي ستلعب التكنولوجيا فيه دور الأسلحة التقليدية منها والذكية ويبدو هذا جليا من إنفاق الدول العظمى المبالغ الطائلة في عالم التجسس الرقمي وإنشاء شبكات خاصة بها تتحكم بمراقبة النشاطات فيها .ولا ننكر نحن كيف ساهم هذا العالم الافتراضي بتغيير الكثير من تفاصيل يومياتنا وطباعنا ومناسباتنا وذكرياتنا .. عاداتنا وتقاليدنا .. حياتنا وموتنا .
فحتى مسألة الموت باتت تسير في خطين متوازيين في عالم التفاعل الرقمي والواقعي ، إن لم يكن التفاعل في العالم الافتراضي بتذويبه للحدود الجغرافية أعلى صوتا من نعي الأصدقاء في تجمعات العزاء  ، مما يدفعنا للتساؤل عن واقعية العالم الافتراضي وافتراض العالم الواقعي !
إذ لم يعد العالم الافتراضي هو ذلك العالم المحدود بأسلاك الشبكة العنكبوتية أو نظام تشغيل الحاسوب أو التلفاز و وسائل الإعلام .. إنه عصر الديجيتال الذي يتعدى كونه بعض التطبيقات أو الآليات بل أكبر بكثير من ذلك فهو إن لم يكن الحقيقة فقد كان انعكاسها ! كحقيقة " المخوضر" أو " أبي مقداد " كما يلقبّه متابعوه .
محمد المخوضر الشاب ذو السبعة والعشرين ربيعا والذي رحل إثر حادث سير أليم ومفجع أودى بحياته فأشعل لوحات المفاتيح وقنوات التواصل الاجتماعي تغريدا ونشرا على امتداد العالم الافتراضي طولا وعرضا.
" أبو مقداد " كما يكنّى ، شاعر مناسبات من الدرجة الأولى ، شعر المناسبات الذي يعدّ من " أعظم أنواع الشّعر " كما يقول الشاعر الألماني غوته . فلا تكاد تمرّ مناسبة دينية أو وطنية أو قومية إلا وقد ترك المخوضر له قصيدة ، إذ يعتبِر شعره رسالة ، وقصيدته تسجيل موقف ، وكلمته  مسئولية  ويعبر عن هذا في إحدى تغريداته  بقوله " الحكمة هي وضع الشيء في مكانه ومن أكبر أمثلتها وضع الكلمة في موقعها الزمكاني " .
وليس بالشّعر وحده عبّر أبو مقداد عن مسئوليته اتجاه دينه و وطنه ومجتمعه ، فلجانب نتاجه الأدبي يقوم المخوضر بتدوين مقالاته ويومياته وخواطره وتغريده المسترسل عن أفكاره التي يتشارك فيها مع متابعيه معتبرا تلك التطبيقات وسيلة اتصال شعبية  وجماهيرية مؤثرة على الرأي العام.
رحيل المخوضر أكد لجميع أهله ومحبيه  في العالم الواقعي أن البكاء من خلف الشاشات لمتابعين ما عرفوا من أبي مقداد إلا قلمه لم يكن أخف وطأة ممن تقاسم معه الملح والزاد . فللوهلة الأولى التي نعت فيها قريته ابنها البار على صفحات التواصل الاجتماعي ، شغلت صور وأشعار وتغريدات الفقيد كل الحسابات الشخصية ليس في حدود دائرته الجغرافية فحسب بل وأبعد من ذلك بكثير . يعلق والده الحاج عبدالنبي المخوضر على ذلك قائلا : "كنت أعرف أنه اجتماعي ويعرف الكثير ولكن لم أكن أتوقع أنه محبوب ومعروف لهذه الدرجة !" في حين بادرت احدى الأخوات اللبنانيات بالتعليق على احدى المنشورات في الفيس بوك متسائلة : هل هذا الراحل عالم عظيم لديكم ؟ مستفسرة عن سبب حجم التعاطف والألم الكبير الذي انتشر في كل الصفحات الالكترونية لنساء ورجال صغار وكبار عبّروا عن فقدهم لهذا الشاب صاحب الرسالة والموقف .
وثّق أبو مقداد الكثير من تفاصيل حياته وأفكاره عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، لحظات مناصرته للقضية الفلسطينية أو مبادلته التهاني مع مناسبات أصدقائه أو تعبيره عن حبه وشغفه بطفلته الغدير التي لم يمهله القدر ليعيش تفاصيل طفولتها. هذه المنشورات والتغريدات والصور ستكون كفيلة أن تخلّد ذكراه لردح من الزمن عن طريق برامج النشر التلقائي التي تستمر بالتغريد بعد الموت. كما قام متابعوه في حيزه الالكتروني باسترجاع تغريداته وصوره التي تجمعهم بها ، وربما هذا ما لم يستطع فعله من لم يخرج من دائرة حيزه الواقعي للعالم الافتراضي !
كما أن تركته الالكترونيه مهّدت الدرب لمحبيه ومتابعيه أن يجمعوا أرشيفه تمهيدا لاصدار سلسلة من المطبوعات باسمه تتضمن أشعاره وتغريداته ومقالاته ولو لم يكن المخوضر قد دأب على مشاركة الناس هذا النتاج الأدبي والفكري لربّما كانت اجراءات هذا المشروع اليوم أصعب من تنفيذه !
" لم أعرف من هو هذا الرجل لكني بكيته من كلماته وأشعاره " عبارة رددها الكثير من الفيسبوكيين والمغردين على هاشتاقات كثيرة انطلقت باسم أبي مقداد وبعبارات توديعه لمثواه الأخير .. في حين انشغل من عرف أبي مقداد افتراضيا حتى هذه اللحظة بإعادة نشر موقفه ورسالته في الفضاء الالكتروني الشاسع الذي طالما راهن الفقيد عليه !
" كان ولدي وأخي وصديقي بل وأستاذي الذي أتعلّم منه ، لست حزينا لموته بل لعدم تمكني من محادثته " بهذه الكلمات عبّر فيها والد المخوضر  الذي اعتصر ألما لفقد ابنه ويقول " ابني رفع رأسي في حياته بمواقفه النبيله وبعد مماته زادني رفعة وشرفا بحضوره الكبير " .

أبو مقداد نبيّ الحضور الجميل في العالمين الواقعي والافتراضي الذي أثبت برحيله أن الواقع الافتراضي ايضا انتصر في طمس الحد الفاصل بين الحياة والموت ، وظل صدى تغريدته يتجاوز الحدود الجغرافية  : " الموت ليس نهاية والموت ليس هزيمة لكن بإمكان أعمالك أن تنتصر لك بعد الموت وللأبد "