light

light

الأحد، 29 مارس، 2015

كن نفسك


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015

يقول روجرز عالم النفس الأمريكي ومؤسس نظرية الذات السيكولوجي المعاصر أن ( تكون سوي هو أن تكون نفسك) .
وفي ذات المصب تتحدث الأديبة والمحاضرة والناشطة الأمريكية "هيلين كيلر" والتي عدّت إحدى رموز الإرادة الإنسانية، حيث إنها كانت فاقدة السمع والبصر، واستطاعت أن تتغلب على إعاقتها و أحرزت لقب معجزة الإنسانية لمقاومتها لتلك الظروف إذ كانت بمثابة معجزة . كانت تعبّر عن نجاحها وهي تقف على منصّة التكريم في حفل تخرجها ( أنا نجحت لأني كنت نفسي(  .
لماذا يرفض الكثير من الناس ذواتهم في عصرنا اليوم ولا يقبلوا إلا أن يكونوا على غير ما هم عليه ؟ وهل هناك أشقى من الإنسان الذي يودّ دوما أن يكون في صورة وقالب الآخر رافضا لذاته ؟!
لاشكّ في وجود تلك الصورة الذهنية لدى كل فرد عن نفسه ، ولهذه الصورة أهمية كبرى في بناء شخصيته وعلى أساسها تصدر أحكام الفرد عن نفسه وهو ما نعبر عنه بمفهوم الذات والذي يتأثر سلوك الإنسان به لأبعد الحدود. إن أول مصدر لبناء مفهوم ذات إيجابي عند الأفراد هم الوالدان ، فالنظرة الأولى للطفل بعد ولادته واحتضانه بين ذراعي أمّه ، ورعايته الرعاية الكافية وإحاطته بالحب والحنان طوال مراحل نموه هذا أكثر ما يرفد الطفل بمقومات بناء مفهوم ذات إيجابي .
مفهوم الذات الإيجابي ينعكس في تقبل الإنسان لذاته والرضا عنها ، فيتكون عند هؤلاء الأشخاص ترجمة واضحة ومتبلورة للذات يلمسها كل من يكون على صلة بهم ، وتتجلى في أساليب تعاملهم مع الآخرين ، ويرتفع عند هؤلاء تقدير الذات واحترامها ، ويسعون في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية ودورها وأهميتها. الأشخاص الذين يحملون مفهوم ذات ايجابي عن أنفسهم تزداد ثقتهم بقدراتهم واستقلالهم الذاتي ولديهم معرفة جليّة للذات والتبصر بها مما يعبر عن رغبة هؤلاء في أن يكونوا أنفسهم .
وفي حالة حدوث نقص لدى الطفل في حاجاته الأساسية سواء كانت فيزيولوجية أو اجتماعية أو نفسية في مرحلة من مراحل النمو فإن هذا محفز لبناء مفهوم ذات سلبي يظهر جليّا في سوء تكيّف الفرد مع المجتمع و تكون فكرة الانسان عن نفسه غير منتظمة ولا يكون لدى الفرد إحساس بثبات الذات وتكاملها، إذ لا يعرف مواطن الضعف والقوة لديه وقد أشارت العديد من الدراسات لوجود ارتباط وثيق بين مفهوم الذات السلبي والاضطرابات النفسية لا سيما إذا افتقد الانسان القبول التلقائى والحب والعناية بفرديته فى سنوات طفولته المبكرة.
مفهوم الذات السلبي يحفز على ظهور أعراض رفض الذات ، والذي يتمثل في النزوع المستمر لأن يكون الإنسان شيئا آخرا على غير ما هو عليه ، وكثيرا ما يكون هذا الإنسان لا ملامح له سوى أنه مختلف عنا ويمتلك كل ما نفتقد إليه .
تلعب مواقف الطفولة المبكرة في الأسر التي تحرم الأطفال من بناء خبرات شعورية بقبولهم كأفراد لهم قدراتهم وامكانياتهم واعطائهم الفرصة في الاعتماد على أنفسهم ، أو الخبرات التي تتعلق بفقدان الاقتراب الجسمي العاطفي مع الوالدين ، أو تسلط الأبوين أو التوقعات المبالغ فيها عند الأبوين الطموحين كل هذا يلعب دورا في خلق حالة من القلق المفرط في بحث الطفل عن الأمان على حساب بناء خبرات في اشباع حاجات النمو الأساسية كالاحتياجات الاجتماعية والادراكية والذاتية وصولا لتحقيق الذات وبالتالي يبدأ الانسان برفض ذاته .
ولضمان أسس السعادة يوصي الأخصائيون النفسيّون أن يستفيد الإنسان من رغبتين في داخله الأولى هي النزوع لنمذجة سلوك وأفكار الآخرين ، والثانية في الامتناع عن التقليد الأعمى . عندما قرأت كتاب السر والذي عدّ من أكثر الكتب مبيعاً لعام 2006، وهو من تأليف روندا بايرن، وتقوم فكرته على قانون الجذب ( ما تفكّر فيه تحصل عليه ) أدركت حقيقة أهمية ضرورة وجود النموذج الحي في أذهاننا الذي يلهمنا و يحرّضنا على امكانية تحقيق الحلم التي نودّ بلوغه ، لكن هذه النمذجة يجب ألا تحجّم من أنفسنا ضمن إطار التقليد المحدود الذي يلغينا ويجعلنا نسخة أخرى من الآخر لا أقل ولا أكثر .
مرورا عبر التاريخ كانت من أكبر المعوقات التي اعترضت دعوة المبلغين والرسل هو التناسخ الفكري والقوالب الفكرية الجاهزة ( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون ) إن السبيل الوحيد للخروج من هذه القوالب وإيقاف سلسلة هذا التناسخ هو إعمال العقل والتدبّر ولهذا ورد في القرآن الكريم أكثر من 500 آية تدعو للتفكير بمعاني  التدبر والتفقه والنظر و التبصر والتذكر والاعتبار .
التفكير يقودنا لمعرفة جلية لأنفسنا ، لمعرفة ماذا نريد أن نكون عليه ؟ وهذه هي الإجابة المجهولة لدى الكثير من فئات المجتمع . فحين نجهل ما نودّ أن نكون عليه ، سنكون ضحية التقليد الأخرق الذي يجعلنا نكون الآخر بكل أخطائه ومزاجه وأفكاره ، وهذا أكثر ما يواجه شبابنا اليوم . هل جربتم أن تسألوا أبناءكم من أنتم؟ وماذا تريدون أن تكونوا عليه ؟ لقد لاحظت صعوبة الإجابة على هذا السؤال المصيري مع الطلبة على مرّ السنوات وهو ما دفعني مرارا وتكرارا أؤكد على أهمية تضمين مهارات بناء مفهوم ذات إيجابي في منهاج المهارات الحياتية في المدارس ، فيتعرف الأطفال والمراهقون من خلاله على أنفسهم ويدركون بصورة أوضح ما يودون أن يكونوا عليه .
إن أي مطالع لسير مشاهير النجاح وقصص حياتهم من قعر الإخفاق إلى قمم النجاح سيكتشف أن نجاحهم بدأ من حلم ، من قوة التصور والخيال على ما يودّ أن يكون هو عليه ، تلك الصورة الذهنية التي ترسم له نفسه في وضع أفضل مما هو عليه ، وليست الخيالات التي ترسمنا في ثوب الآخر وسلوك وأفكار الآخر وتنتهي بجعلنا نسخة منه فقط !
 إبراهيم الفقي الذي تدرب علي يديه أكثر من 700 ألف شخص في محاضراته التي ألقاها في انحاء العالم بثلاث لغات: "الانجليزيه والفرنسيه والعربيه" ، كان قد عمل بأحد الفنادق الفرنسيه بكندا يغسل الصحون بأجرة بسيطة جدا يقول حينما كنت أسأل من أنا  كنت أجد نفسي مديرا لسلسلة من الفنادق في تلك اللحظات التي كنت أعمل فيها بغسيل صحون الفنادق ، وقد حقق ذلك وأصبح مديرا لعدة فنادق كبرى في مونتريال بكندا!
وليس ببعيد عنا مثال الدكتور أكبر جعفري الرئيس التنفيذي  لجفكون لتحسين الإنتاجية و مستشاروزير التنمية والصناعة "سابقا"، والمدير إداري بألمنيوم البحرين - ألبا "سابقا ،وهو أول بحريني يحاضر في جامعة «كمبريدج» أمام مجموعة من كبار العلماء والباحثين ، يقول كنت أعمل حمّالا في السوق في طفولتي ولم يسنح لي ضنك المعيشة حينها أن أكمل تعليمي ، كنت أقول لزملائي وهم يسخرون مني  أني سأدرس في لندن ، كنت أجد نفسي وأنا أسير في جامعات لندن وأتخيل شكل حقيبتي التي أحملها بيدي . حتى كان له ما أراد إذ حصل د.أكبر على الدكتوراه في الإدارة والاقتصاد من جامعة لندن، والماجستير في الإدارة من بكنغهام، بريطانيا.
كل هؤلاء وسواهم الكثير بدأوا نجاحم لأنهم كانوا أنفسهم بعد أن عرفوا قدراتهم وامكانياتهم ، لأنهم وضعوا أنفسهم في الصورة التي أرادوا أن يكونوا عليها . النجاح هو وليد قوة التصوّر والخيال لما نريد أن نكون عليه ، ولابد لهذا التصور أن يرتبط بحقيقتنا نحن ، بصورتنا نحن ، بإمكانياتنا نحن ، وليس صورة مشوّهة تجمع في ثناياها الآخرين في قوالب لا تكون بمقاسنا أحيانا ! بل غالبا !
لأحد علماء النفس مقولة شهيرة ( إنك أيها الإنسان شئ وحيد في العالم إنك نسيج وحدك فلا الطبيعة عرفت أحد غيرك في الماضي يشبهك ولا هي في المستقبل ستتعرف على شخص يشبهك ) .. إذن فكن نفسك .


الأحد، 15 مارس، 2015

زهـــايمر الأبنــاء !!


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015

شاهدت قبل أيام فيلم  Still Alice والذي يحكي قصة عالمة لغويات تؤدي دورها  Julianne Moore تصاب بداء الزهايمر المبكر ، في مقتبل الخمسينات من عمرها في حالة نادرة جدا !! الزهايمر الذي يصيب المخ ويتطور ليفقد الإنسان ذاكرته وقدرته علي التركيز والتعلم، ولا يوجد حتى الآن علاج ناجع له . يصيب في العادة الذين تعدوا 85 عاماً من عمرهم إذ يبدأ الزهايمر بإصابة المريض بفقدان غامض للذاكرة، ويتطور سريعا، حتى يفقد المصابون به القدرة في التعرف على الأماكن، الأزمنة ، وجوه من يحبون، ولا يستطيعون حتى الاهتمام بأنفسهم .
Alice Howland التي ملأت الدنيا وشغلت الناس بأبحاثها في اللغة ومؤلفاتها التي ترجمت للعديد من اللغات ، والتي تخرج على يديها المئات من طلبة الجامعات وصيتها الذي لم يغب عن أهم المؤتمرات في مختلف الدول تبدأ فجأة ومن دون سابق إنذار بمواجهة حالات فقدان ذاكرة مؤقته تفقدها القدرة على التركيز في الكتابة والحديث أو حتى اختيار وجهتها في الطريق الذي تسلكه . ينتهي بها المطاف إلى طبيب الأعصاب الذي يؤكد لها اصابتها بداء الزهايمر المبكر كحالة نادرة جدا في العالم !
أن تكون بلا ذاكرة ! لوهلة تمنت Alice  لو أنها كانت مصابة بداء السرطان ، عوضا عن أن تكون ضحية الزهايمر ، إذ ليس من السهل أن تكون بلا ذاكرة ، بلا ماضي  بلا أمس . بدأ كل شيء يتسلل من ذاكرة Alice  ، المعارف والعلوم والأبحاث التي قضت عمرها في جمعها ، المؤتمرات التي تصدّر اسمها فيها ، وجوه طلابها ممن اكتظت قاعات الجامعة بهم ، ليس هذا وحسب ، بل الأكثر ايلاما وجوه أبنائها ، زوجها ، المفردات البسيطة جدا التي لا يجهلها طفل لا يتجاوز الثالثة من عمره .. Alice  بلا ذاكرة !
عبّرت Alice  عن وجعها في احدى الفعاليات المتضامنة مع مرضى الزهايمر ، قبل أن يقضي الزهايمر على ما تبقى من ذاكرتها ، " حين تجهل من تكون " ؟ تتسلل من ذاكرتك اللحظة الأولى التي أحببت فيها ؟ ليلة زفافك ، تفاصيل رحلاتك ، حين تنسى ذلك الخدر اللذيذ الذي تسلل لقلبك وأنت تستقبل مولودك الأول ، وتفاصيل نموه ، المرة الأولى التي قال فيها " ماما " واللحظة الأولى التي وضع كفيه على الأرض وتعلّم كيف يحبو ، والفاكهة الأولى التي أحبها وهو صغير ، واللحظة التي وضع كفيه الصغيرتين في كفيك ومشى برفقتك في ترهات المنزل، واليوم الذي ودّعته على مقعده في المدرسة و ودّعك بدموعه .. يوم تخرّجه .. حفل زفافه .. ثم قسمات وجهه .. ثم اسمه .. كل هذا يسقط من ذاكرتك للأبد !
 إن ما فاقم الألم عند Alice  بعد اصابتها بالزهايمر هو أنها " أم " !! الأمومة هي حجر الزاّوية في صرح السعادة الزوجيّة كما يقول توماس جيفرسون. إذ ليس من السهل أن تصارع الأم شعور النكران لماضيها مع أبنائها وهي حيّة ترزق ! وتعجز حتى عن تذكر مقادير الحساء الذي يفضّلونه ، أو الطريق الذي يقود إلى غرفهم ، أو المكان الذي ترتب فيه ملابسهم ، أو أن تشاركهم الحديث عن بعض ذكريات طفولتهم في ليالي الأعياد أو الجلسات العائلية !
كيف لذلك القلب الكبير بمشاعره الجياشة وأحاسيسه المرهفة أن يتنصّل من الشعور بالمسئولية قهرا تجاه من حملته في بطنها تسعة أشهر ، وامتص من جسدها الغذاء ليحيا ويكبر ، فإذا ما حان وقت خروجه لهذه الدنيا ، تجرعت المرار في ولادته و وضعه أضعاف ما كانت تعاني في حمله ، وما إن يطل وجهه حتى تحتضنه متناسية كل أوجاعها . ليس من السهل أن تنسى الأم هذا من دون إرادتها ، وهي التي أفنت جسدها ليكبر وينمو ولدها، الذي لم يكتف بمشاركتها الغذاء في بطنها ، بل بعد الولادة في رحلة رعاية وعناء وصبر ومشقة ، تترجمها تلك العواطف التي جبل الله عليها قلوب الأمهات في حالة أشبه بالمعجزة الإلهية وهي تحتضن الطفل الرضيع حتى يشب ويكبر . ليس من السهل على الأم أن يدمّر داء الزهايمر خلايا المخ المنوط بها حفظ هذه الذكريات واسترجاعها في اللحظات النادرة !
في حين بالمقابل بات من السهل جدا على الكثير من الأبناء في ريعان شبابهم أن يدمروا بصورة مبكرة خلايا ذاكرتهم مع الأمهات بإرادتهم ومن دون الحاجة إلى داء . إذ لم تترك التحولات الديموغرافية في مجتمعاتنا وما ترتبط به من زيادة المخاوف كلّما ازداد الاستهلاك والإنفاق والصراع الاقتصادي وتراجع الدخل ، لم تترك بدّا من ترك تشوهات في العلاقات بين الأبناء والآباء تنتهي كثيرا بقصص مأساوية يشمئز منها الأسوياء . فتحت هذه التغيرات باب الأنانية على مصراعيه فلم يعد يتجاوز تفكير الأبناء نطاق دوائرهم الخاصة الضيقة ، مسكن للزوجة ، وبعض متطلبات الاستهلاك الفاخر للعيال. أما الأم التي انتهى دورها على مسرح الحياة بالنسبة لهم لم تعد جزءا من الذاكرة يرسل لك منبهات للحاجة للسؤال عنها إلا وقت الغداء الأسبوعي أو في عيد الأم السنوي!
بات من الضروري مناقشة هذا الواقع بوضوح ، والأسباب التي تقف خلفه حتي تكون العلاقات  بين الابناء والوالدين على نحو أفضل . فغياب الاستثمار الحقيقي في التربية هو أحد أهم أسباب العقوق. نعم ، فالتربية السليمة تقوم على الاستثمار الأمثل في الأبناء ، ما تزرعه اليوم من قيم في أبنائك ستجني ثماره غدا ، وما تلاقيه في كبرك ما هو إلا تسديد حساب ودفع ديون قديمة كانت تقتطع من راحتك ، شبابك صحتك ، مالك و وقتك ، وإذا ما كان أعلى سلّم قيمك أنت في إبان طفولة أبنائك رعاية أسرتك ، فهذه الرعاية ستجني ثمارها في شيخوختك ، إذ أن هذه القيمة هي التي تحدد أولويات أبنائك في الحياة وترسم طريق سلوكهم ومشاعرهم حاضرا ومستقبلا.
غياب الوازع الديني أيضا لدى الأبناء يولّد المزيد من النقائض التي تطيح بالعلاقة بين الآباء والأبناء ، فقد بالغ الإسلام في الحرص على بر الوالدين وقرن الله تعالى بر الوالدين بتوحيده وعبادته إذ يقول سبحانه : واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا (36) النساء . وبلغ من عظمة الإسلام أن يقدم برّ الوالدين على الجهاد في سبيل الله تأكيداً على حقوقهما، وإمعاناً في التوصية بهما خيراً ، وأوجب برهما حتى بعد وافتهما. إن ضعف التربية الدينية في الصغر وعدم تخليق الأبناء بأخلاق الإسلام وتطبيقها عمليا في حياتهم اليومية يقود إلى العقوق في الكبر لا محالة .
عقوق الوالدين تبدى الآن في أشكال جديدة فليس من الضروري أن يكون العقوق  بطريق مباشر يقود إلى ترك الأبوين في دار المسنين والعجز عن رعايتهم ،  بل قد يكون مغايرا  بطريقة غير مباشرة تفضي إلى دحرجة الوالدين إلى حتفهم المبكر عبر الإهمال المغلّف بقشور الاهتمام !! كالتزام الأبناء بالمجيء " جسدا " لتسجيل الحضور في الاجتماع العائلي الأسبوعي حول مائدة الوالدة العامرة بعد نسيانها التام طوال الأسبوع  دون ترك فسحة للاستماع لسخافتها أو قصصها . ولا يتردد البعض في فهم برّ الوالدين بالكم لا بالكيف إذ يقضي البعض جلّ اليوم الأسبوعي الوحيد في كنفها عبر التجول في صفحات التواصل الاجتماعي أو الأحاديث الجانبية بين الأبناء والتي غالبا ما يحصل الوالدان فيها على " كارت أحمر " فلا شأن لهم في كل ما يقال ولا شأن للأبناء فيما لم يقله الوالدان بعد !!
من عقوق الوالدين بطريق غير مباشر أن يصيّر الأبناء الأم خادمة لهم عوضا عن كونهم خدما لها ، وقد تفعل الأم ذلك بسعادة غامرة نتيجة عاطفتها التي لا تنضب ، فبعد أن تنتهي مسيرة تربيتها لأبنائها يبدأ الاتكال عليها في تربية ورعاية أحفادها ، في حين يتنصل الأبناء من كافة المسئوليات اتجاه أطفالهم . وكأن هذه الأم خلقت مصداقا لتلك المقولة البالية أن "الأم شمعة تحترق من أجل الأبناء" ! ولا أدري ماذا يتبقى من فائدة ومعنى لشمعة محترقة !
لاشيء يعادل سعادة الوالدين من أن يعرفوا أنهم في الجزء الأهم من ذاكرة أبنائهم عبر اتصال يومي عابر أو زيارة خاطفة أو رسالة قصيرة .. الأم ليست بحاجة إلى انتظار يوم واحد في السنة لتعرف مقدار حجمها في قلوب أبنائها !  ليست بحاجة إلى هدايا فاخرة  تباهي بها قريناتها كمصداق لحب الأبناء لها .. وليست بحاجة إلى تجمع عائلي أسبوعي يسجل فيه الأبناء حضورهم على المائدة وحسب ! الأم تحتاج إلى ذكريات تملأ بها خلايا ذاكرتها التي لم تعطب بعد !


الأحد، 8 مارس، 2015

أعيدوا المرأة للمرأة ..دعوة لتمكين المرأة أسريّا



بقلم : انتصار رضي / مارس 2015
منذ نشوء الأساطير و ثقافات الشعوب السابقة ، وديانات الشرق القديم ، كانت المرأة مادة خصبة في الصراعات ، قوية كانت أم ضعيفة ، إلهة كانت أم أَمَـة ، حاكمة أم موؤدة !  وأبرز هذه الصراعات ما كانت تدور في دائرة الرجل . بدءا من ميثولوجيا المرأة الشريرة في الأساطير القديمة التي قالها عنها الرجل للخالق في الأساطير الهندية " يا لشقائي ! أني لا استطيع أن أعيش مع المرأة، ولا استطيع أن أعيش من دونها". أما في الحضارة الصينية فكانت المرأة تشكل عبئا على الرجل الذي يجدها غير نافعة للعمل في الحقول أو القتال في الميادين ، وكثيرا ما كان الآباء يتركونها لقمة للشتاء  أوذئاب الصحاري ليقضى عليها بصمت . في حين عاشت بعض العرقيات عداوة مزمنة للمرأة تصل لأحكام القصاص منها بعد وفاة زوجها وتحريم العيش بعده فتحرق معه في آن واحد .
وعن المرأة في أحوال الجزيرة العربية لم تخرج أيضا من كونها مادة الصراعات الأهم في دائرة الرجل سواء كانت مجرّدة من صفات الإنسانية كما استدلّ المؤرخون على ذلك من زواج المرأة من عدة رجال وتقاسمها كالغنيمة ، أو سواء كانت ذات مكانة رفيعة يتقرب الشعراء إليها ويخطبون ودّها ، وفي النقيضين – إن صحّ أن هناك تناقض -  لم تكن المرأة تخرج من دائرة صراع الذكورة والأنوثة في إطار الحماية  كما يقول العقّاد " وهو التخلُّص ممَّن يستنفِد القوت، ولا يعين على تحصيله أو الذَّود عن موارده، ونعْنِي بهنَّ البنات الزَّائدات عن حاجة القبيلة".
ومرورا بالديانات السماوية فقد جاء في الإنجيل في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ"
أما في الشريعة الاسلامية السمحاء فرغم تلبيتها للمرأة أكثر من حاجة أولية فسيولوجية ، و حاجتها إلى المكانة الاجتماعية لجانب الرجل ، و حاجتها إلى تأكيد الذات في الحقول العلمية والاجتماعية والسياسية ، مما حفز المرأة لتشارك كالرجل في بناء المجتمع وتتدخل في الحياة الاجتماعية وتحفظ لنفسها حقوقها المشروعة ، بقت الدائرة الأهم للمرأة في الإسلام في إطار الزوجية والأمومة .
ورغم كل التشريعات الإسلامية التي أقرت بكون المرأة  نصف عدد السكان ونصف الطاقات البشرية ، إلا أن ما مرّ به التاريخ من فصول الظلم التاريخي ضد المرأة في دائرة الرجل،حفّز لولادة الحركات الاجتماعية التي انطلقت لإحقاق حقوق المرأة ، سواء كانت ترتكز على رؤى عقلانية ومعرفة الطبيعة والفطرة عند الرجل والمرأة ، أو سواء كانت منطلقة من الانفعالات والتقليد والقرارات العمياء ففي الحالتين كان الغرض هو تمكين المرأة على كافة الأصعدة خارج دائرة الرجل ، بل وخارج دائرة الأسرة والأمومة!
وبعد انطلاق دعوات تمكين المرأة للحصول على فرص متساوية مع الرجل، والمساواة في الحصول على الموارد، والمشاركة المنتظمة في اتخاذ القرارات التي تشكل عالم اليوم ، بدت المرأة ككيان مستقل ، الشغل الشاغل للحكومات في مشاريع التنمية . ففي البحرين مثلا وعلى صعيد تمكين المرأة اقتصاديا ، استطاعت المرأة البحرينية بنجاح الدخول في شتى القطاعات مثل تجارة الجملة والتجزئة ، الخدمات المالية ، الصناعية ، اللوجستيات ، العقارات ، والإنشاءات وغيرها . كما أقرت " تمكين " - المؤسسة الأولى التي تعنى بتوفير الدعم لتنمية الأفراد والمؤسسات - مؤخرا أن نصف المستفيدين من البرامج التمويلية هنّ من النساء إذ شكلن النساء نسبة 52% قبالة 48% للرجال في التقرير السنوي للعام 2012 ! .ونجحت البحرين في تقديم رائدات أعمال جدد ، ومؤسسات تجارية جديدة ناجحة تقف خلفها نخبة من سيدات الأعمال بل وساهمت أيضا بشكل مباشر في تغيير نظرة سوق العمل للمرأة البحرينية فباتت الخيار الأول في الكثير من القطاعات والمؤسسات الخاصة والعامة .
ولم تكن " تمكين" بميزانيتها التي قاربت 39 مليون دينار للعام 2014 ، وحدها المعنية بتمكين المرأة البحرينية بل تضافرت معها عدة جهات في تمويل البرامج التدريبية التي تشجع روح الابتكار والابداع والمبادرة لدى المرأة ، من خلال تزويدها بالموارد والخدمات اللازمة لتتبوء مكانة اجتماعية وإدارية، مديرة كانت أو موظفة ، رائدة أعمال مبتدئة أو سيدة أعمال ناجحة ، وتأهليها لتصارع بشراسة في التناحرات السياسية وفي المصالح الاقتصادية وكل ما يرتبط بتمكينها اقتصاديا ، سياسيا ، تكنولوجيا ، اعلاميا ، إلا أموميّا !
كان التدريب عصب هذا التمكين للمرأة في كل المجالات ، فمنذ أن بدأت مجتمعاتنا تفطن لاعتبار العنصر البشري هو الأداة الأساسية المحركة للإقتصاد ، بدأت تعي الأهمية الاستراتيجية للتدريب من أجل الانتاجية واعتباره من ركائز التقدم وزيادة الانتاج ، سعت كل المؤسسات التدريبية لتأطير جهودها ومشاريعها وخططها التدريبية المعنية بتمكين المرأة اقتصاديا في إطار السلّم المهني واحتياجات السّوق ، نظرا لما تقدمه الدولة من ميزانيات ضخمة في هذا المجال . مما دفع ببرامج التدريب المعنيّة بالأسرة وتمكين أفرادها أسريا أن تخرج من إطار استراتيجيات تلك المعاهد ورؤى المدربين ، الذين وجدوا في الدعم المقدم لبرامج تدريب المؤسسات فرصة ثمينة لهم ، وانتهوا بوضع برامج تدريب المهارات الأسرية في إطار تدريب الأفراد الذي إما يقدم كزكاة عن أعمالهم ، أو برسوم زهيدة تعرض فيها ورش عمل لا يجتهد المدرّب حتى في إعدادها بعيدا عن القص واللصق ! ولا يجد فيها الأفراد لا سيّما الذكور جاذبية خاصة !
ورغم الملايين التي تنفق لتنمية المرأة ، لتشغل أفضل الوظائف من أجل أن يتحقق لها مستوى معيشي أفضل عبر تطوير مهارات الموارد البشرية ، فإن أيا من تلك الجهات لم تكن معنية ببذل ربع تلك الميزانيات في تنمية هذا المرأة في مهاراتها الأسرية كونها عصب أسرة قبل أن تكون موظفة في مؤسسة! وبقت أرقام الطلاق والعنوسة والعنف الأسري واضطرابات الأطفال والمشكلات الأسرية محصورة في جهود تدريبية متواضعة تعنى بها مراكز إرشاد أسري تعمل بميزانيات محدودة وكوادر غير مؤهلة التأهيل الكافي !
 فماذا يضير لو تمّ تضمين برامج التمكين الأسري للمرأة ضمن برامج التدريب المدعومة من قبل مؤسسات تحار في فائض ميزانياتها سنويا ! ماذا لو اجتهدت هذه المؤسسات في تأهيل المرأة الموظفة لتكون أمّا ناجحة أو ليس هذا هو الموقع الأهم الذي فطرها الله عليه منذ ولادتها ! فإذا ما كانت ترصد الملايين لتدريب الموظفين على أخلاقيات العمل فلنتساءل عن منشأ الأخلاق مهما كانت حسنة أو سيئة ! أليست نابعة من الأسرة ؟؟ فالأم ومنذ أن تشدّ قماط طفلها بيدها تؤهله ليكون قائدا أو موظفا أو محتالا أو لصّا، رغم كل ما تلعبه مؤسسات التنشئة الاجتماعية من أدوار، إلا أن كل التجارب والتحقيقات العلمية أثبتت أن مفهوم الذات للفرد بكلّ ما يحويه من تكوين معرفي منظم ومتعلم ، والذي يعتبره الانسان تعريفا نفسيا لذاته ، يبدأ من الأم منذ اللحظة الأولى التي تنظر فيها لعيني طفلها بعد الولادة وتحتضنه بين ذراعيها .
الأم المعلّم الأول للخير والشر عن طريق أوامرها ونهيها ، الأم من أسرتها تبدأ بناء الغد الاقتصادي إذا ما أدارت ميزانية الأسرة بصورة عقلانية أو تركتها تحت وطأة الاستهلاك الفاخر ، الأم ترسخ أسس القواعد الأخلاقية في المجتمع هي التي تستطيع بتربيتها الأخلاقية بناء رجال المستقبل ، وأخلاق المجتمعات مرتبطة إلى حد كبير بأخلاق الأمهات ، الأم صانعة روح وعواطف المجتمعات فهي من تهيء الأرضية اللازمة للالتقاء الإنساني في المجتمع ، الأم صانعة الحضارات وإذا ما وجدنا مجتمعا لا مباليا فهو يرتبط بالإنسان الذي صنعته الأم بتربية لا مبالية في أحضانها ، الأم تصنع التاريخ ، وزعيمة المجتمع ، ومفتاح الحضارة بيدها تعلم الرّجل أصول الحياة وبيدها تزرع القيم .
هل هناك من يجهل أن مسار الإنسان يبدأ منذ الحمل والولادة ؟؟ وقبول الطفل من قبل أمّه ، وتغذيته تغذية سليمة، ومراقبته وإحاطته بالحب والرعاية منذ ولادته ! هل هناك من ينكر أن الأم هي المسئول الأول عن حاجات الطفل وأنها المهندسة لشخصيته بكل تفاصيلها ؟ وأنها المعنية بتعليمه أصول الحياة الفردية والاجتماعية ؟! هل هناك من ينكر أن الأم هي المعلمة الأولى للإنسان وهي الصديق الأول له وهي المدرّب والقدوة والنموذج الأول الذي يقتدى به !
وإذا كنا نعاني الأمرّين من المشكلات المتفاقمة على الصعيد الأسري والتي جعلت منظومة الأسرة في مهبّ الريح إزاء أرقام التفكك الأسري المتزايدة ، وإذا كنّا على خطى الدول المتقدمة قد أدركنا أن التدريب خليق بـ دفع عجلة الإنتاجية في المسار الاقتصادي من خلال تغيير الأفراد بمنحهم مهارات لا معلومات ومعارف وحسب ! فما الضّير لو تم توجيه جزء من  39 مليون دينار في تمكين المرأة أموميّا وإعادتها لدورها المحوري في الحياة الأسرية الذي انطمس وسط الكوتا النسائية في البرلمانات والمجالس البلدية و وسط صيحات التمكين السياسي والاعلامي والتكنولوجي !
ما الضير لو تم اعتماد بعض البرامج التدريبية الأسرية ضمن برامج التطور في السلّم المهني والذي استفاد منه حتى الآن 12 ألف بحرينيا ورصدت له ميزانية لا تقل عن 18 مليون دينار بحريني لإكساب الموظفين مهارات في مجال عملهم واختصاصهم !

التمكين الحقيقي للمرأة والذي يساهم في تنمية المجتمع لا يبدأ من تحفيز أفراد المجتمع على إحداث التغيير الإيجابي لدعم مساهمة المرأة في العمل السياسي في حين أنها فاشلة أسريا ! ولا يبدأ من نجاحها في دائرة تمكينها اعلاميا وتكنولوجيا واقتصاديا وخلق طبقة من سيدات الأعمال يديرون نصف اقتصاد البلد ولا يملكون الوقت والمهارة لإدارة أطفالهم ! النجاح الحقيقي هو في تمكينها أسريا ، أموميّا ، فهي عصب الأسرة والأسرة عصب كل مجتمع !

الأحد، 1 مارس، 2015

خصخصة الأسرة ! من شاي الكرك .. حتى التربية


بقلم : انتصار رضي / مارس 2015   


اكتوبر العام 2002 تم اصدار قانون الخصخصة بصورة رسمية في البحرين تماشيا مع الفلسفة الاقتصادية الحديثة التي تنص على نقل الخدمات التي لا ترتبط بالسياسة العليا للدولة من كاهل الحكومة إلى القطاع الخاص . فالدولة، في فلسفة الخصخصة يجب أن تهتم بالأمور السياسية والإدارية والأمنية ، أما فيما يتعلق بالسياحة والمواصلات والكهرباء ومرافق المياه والموانئ والمطارات والخدمات البريدية والاتصالات فيمكن ايعازها إلى القطاع الخاص ضمن أطر تضعها الدولة لتحمي من خلالها موظفي هذا القطاع .
رغم ما للخصخصة من ايجابيات إلا أنه من أهم ما يؤخذ على تطبيقها في الدول العربية تفشي الفسّاد والسيطرة غير المقبولة اجتماعيا وفقا للحقوق المدنية وحقوق الإنسان ، إذ تنازع حفنة من كبار الملاك وأصحاب الثروات السيطرة على قطاعات اقتصادية كبيرة على حساب الكفاءة والجودة لمشاريعهم ( وما حكّ جلدك مثل ظفرك ) . أما الأسرة التي تشكل أعقد وأدق شركة في العالم باتت هي الأخرى تطرح الخصخصة كنتيجة للمحاولات المستميتة  لضبط أوضاعها النفسية والبدنية والشعورية في مواجهة ضغوط الحياة اليومية المتصاعدة ، والتحديات المتفاقمة التي تواجه أولوياتها في عالم اليوم . إذ بدأت الكثير من معالم الأسرة بمفهومها الاجتماعي تصيبها عوامل تعرية خلّفت لنا كائنا عجيبا غريبا لا ندري ماذا نصطلح عليه  بعد موجة خصخصة عارمة كانت أشد وبالا من خصخصة قطاعات في الدولة ، ففي حين حافظت الدولة على إدارة القطاعات التي ترتبط بسياستها العليا ، لم تتوان بعض الأسر في خصخصة لامشروطة لكل مسئولياتها سواء تلك التي تهتم بصناعة الإنسان ، أو الترفيه والسياحة .
فقديما كان الأبناء يرتبطون ارتباطا وثيقا بأسرهم طوال حياتهم ، إذ كان قوام هذا الارتباط المسئوليات التي يتولاها الآباء في إدارة شئون حياة أبنائهم من تعليمهم العلوم الدينية والدنيوية ، بل ويمتد إلى تمهين الأبناء مهنة متوارثة للعائلة من جيل لآخر ، أما الأم وعلى وجه الخصوص فكانت تهتم بالناحية العاطفية والتربوية بشكل أساسي وتدير احتياجات الأسرة بجانبها الخدماتي .
لكن ما يحدث اليوم لا يمتّ لهذا الماضي بصلة ، فعوضا عمّا فرضه عمل المرأة من تنازلات في أدوار الأمومة ، فقد امتدت سلسلة التنازلات لأبسط مهام الوالدين أمام رحى الضغوط والمسئوليات المتزايدة .
نبدأ من كوب الشاي الصباحي ، إذ لازلت أذكر كيف كان والداي رحمهما الله يجتمعان بنا على مائدة الإفطار قبل الانطلاق للمدارس والعمل ، كانت أمي تجتهد في إعداد وجبة إفطار فاخرة جدا متكاملة العناصر الغذائية ، نتيجة إصرار أبي أن الإفطار للجسد كالمسمار للّوحة المعلقة على الجدار، إذا ما أزحته تهاوت اللوحة !! مازالت تلك اللحظات الحميمية التي تجمعنا صباحا معا على مائدة الإفطار في فاتحة كل يوم ، تحفر عميقا في ذاكرتي ، ومازلت وأخوتي نتداول بعض الذكريات حول من استولى على نصيب الآخر في الإفطار، وعن حرص والدي لغلي حليب البقر الطبيعي فقط لا الحليب المبستر وتجشّم عناء شرائه والبحث عنه !! وعن أمي التي تستيقظ مع أول خيوط الفجر كي تعدّ هذه المائدة العامرة . و رغم مرور أكثر من 30 سنة على هذه الذكريات إلا أنها بقت حية لا يعفو رسمها في أذهاننا. أما الآن فلم تعد وجبة الإفطار من مهام الأسرة ، فهي تتوزع بين طرفين رئيسيين ، الطرف الأول محلات شاي الكرك التي أسعف انتشارها في كل شبر الموظفين في الحصول على كوب شاي مخدّر ودافئ ، يكفي لمشوار الطريق للعمل . والمدارس التي بدأ بعضها  يخصص وقتا لإفطار الطلبة من جميع المراحل ، ممن بدى جليّا في خمولهم وكسلهم  ، أنه لا يوجد في جدولهم الأسري ما يسمى بوجبة إفطار!! ولم يختلف الحال عند بعض الأسر في وجبات الغداء والعشاء أيضا التي تم ترحيلها لما توفره المطاعم ومحال الوجبات السريعة من حلول للوقت والجهد لا المال طبعا!
ومن كوب الشاي الصباحي إلى التعليم والتربية التي تمت خصخصتها أيضا ، فالمذاكرة اليومية وحل الواجبات اليومي وحتى المراجعة ليالي الامتحانات كلها مهام كان أفراد الأسرة يتقاسمونها فيما بينهم باتت تؤسس لأجلها معاهد ومراكز تتقاضى أجورا بأثمان باهظة !! أضف لذلك مراكز تنمية المواهب والهوايات التي لم يعد الوالدان يبذلان جهدا و وقتا اضافيا في البحث عن طرق اكتشافها وتنميتها !
والأخطر من ذلك بعض مراكز العلاج السلوكي التي باتت أحيانا تؤدي مهام التربية عن الأبوين ممن تهزهم الرياح يمينا و شمالا و شرقا و غربا، ولم يعوا بعد في أي اتجاه يذهبون ، و أي سلوك يسلكون في تربية أبنائهم ، فيلجأون لتلك المراكز بانسحابية كاملة وتواكل تام لا يشوبه حتى نية البحث في غوغل عن أساليب المعاملة الوالدية مع مثل هذه الحالات!! ومن المضحك المبكي  في إعلانات أحد هذه المراكز المعلقة في شارع عبرته أثناء سفري في بلد خليجي ( نحن نربّي وأنت تحصد ) !
حتى التربية الدينية ، والتي كانت من صميم مسئوليات الأسرة النابعة من قيمها الدينية ، باتت ترحّل للمساجد والمراكز الدينية . وباتت صلوات أبنائنا في رقاب تلك المؤسسات بشكل تام ، فلا يؤدي بعض الآباء حتى جهدا ضئيلا في متابعة ما إذا كان الوضوء والصلاة لأبنائهم يتم وفق الواجبات المنصوصة أم يشوبه بعض الخلل ! وتقوم تلك المؤسسات بإعداد الأبناء لسن البلوغ وتغيراته أمام حرج بعض الآباء في تداول مثل هذه المواضيع في الأسرة !
ومع تزايد العنف الأسري حجماً ونوعاً وأسلوباً ضد الأطفال والذي بدأ يأخذ طابعاً وبائياً ينتشر بشكل خطر فى المجتمع المعاصر وفقاً للتقديرات الاحصائية التي كشفت عنها بعض الجهات الدولية والمحلية ، فلم يعد من المستهجن طلب خصخصة الرعاية الوالدية من بعض الأطفال ، كما عبرت بذلك في موضوع إنشاء مراهقة في الثالثة عشر من عمرها بقولها ( أريد أمّا لي ) أمّا عوضا عن تلك الأم التي تفتتح يومها معي بالشتائم ولا تهدأ حتى يصل صداها لبيت الجيران ، بسبب تأخري في ترتيب حقيبتي ، أو ارتداء حذائي ، أو بسبب اخفاقي في إحراز الدرجات التي تلائم توقعاتها !
ولكي تتضح الصورة المؤلمة بإمكانكم إجراء اختبار بسيط وهو تحليل رسومات الأطفال من مختلف الأعمار ، إذ قمت بمعيّة بعض الأخصائيات في تحليل بعض رسومات الأطفال لأسرهم والتي نقلت واقعا موجعا جدا تمثل في تكرار تصوير بعض الأطفال للوالدين بعلاّقة الملابس ، والتي تستخدم للضرب بشكل دائم . في حين عجز بعض الأطفال عن رسم أحد الوالدين في اللوحة التي تضم عائلته ، بسبب انشغاله الدائم عن أسرته ، واستعاض البعض الآخر برسم أحد الوالدين بحجم ضئيل جدا ، أو رسم الأم وقد امتد لسانها حتى قاع الأرض !!  كم هو مؤلم حين نعنون هذه اللوحات بـ ( هكذا يراكم أطفالكم ) ! فلا عجب إذ كشفت تقارير "الأمم المتحدة" عن أن ما يقرب من مليونى طفل حتى سن الرابعة عشرة في العالم يعانون كل عام بسبب ما يتعرضون له من أفعال وممارسات العنف الوالدي، وأن نسبة من هؤلاء الأطفال تقدّر بمعدل طفل من كل عشرة أطفال يموتون بسبب العنف الوالدي!
وأخيرا حتى مهام الترفيه والسياحة في الأسرة فقد تمت خصخصتها فكل ما على الوالدين في عطلة نهاية الأسبوع اصطحاب الأبناء مع الخدم لإحدى الملاهي في حين يجلس الوالدان على طاولة نائية لشرب كوب الشاي وقراءة جديد البرودكاست في الواتس اب ! للحد الذي جعلني يوما ما أشعر بالحرج الشديد وأنا ألاعب أطفالي في أحد المجمعات التجارية وسط حشد كبير من الخادمات الأندونيسيات والأثيوبيات والفلبينيات !!
أما السفر فباتت هناك جهات مختصة لإعداد برامج سفر وترفيه للأبناء ورحلات خاصة ترفيهية تعليمية بمعيّة مدرّب أو أخصائي يعمل عند متعهد في رحلات يصطحب فيها مجموعة من الأطفال أو المراهقين وينظم لهم برنامجا حافلا بالمسابقات والرحلات التي يعجز الوالدان عن تنفيذها !
ماذا تبقى للأسرة بعد ! سوى أن يستلم رب الأسرة راتبه الشهري ويقوم بتقسيمه على جهات الخصخصة التي تصنع له الإنسان  والبحث عن حميدان ليملأ الميدان التربوي والاجتماعي والنفسي والترفيهي ... !